منذ أن أدرك العلماء إمكانية استخدام الخلايا الجذعية، أو خلايا المنشأ، في تخليق أنسجة وأعضاء بشرية، لاستبدال ما فسد أو تلف لسبب أو آخر، اقترن هذا المجال العلمي الحديث بالعديد من السقطات العلمية، التي وصلت أحياناً إلى درجة النصب والتزوير الصريح، كما ارتبط أيضاً بعدد من المعضلات والمحاذير الأخلاقية. آخر تلك الشبهات العلمية، ظهرت قبل أيام، مع إعلان علماء أحد المراكز العلمية المرموقة في اليابان، عن نيتهم سحب دراسة كانت قد نشرت بداية العام الجاري في إحدى الدوريات العلمية الشهيرة، وأحدثت حينها ضجة علمية وإعلامية غير مسبوقة. نتائج تلك الدراسة، أظهرت أنه من الممكن تحويل الخلايا العادية، من خلال تعريضها لصدمة كيميائية أو ميكانيكية، إلى خلايا جذعية. وهو ما اعتبر حينها أسلوباً أبسط وأقل تكلفة، من الأسلوب المعتمد على إحداث تغيرات في التركيبة الوراثية للخلايا، بشكل يدفعها إلى الارتداد إلى مرحلة الخلايا الجذعية. وينأى هذا الأسلوب الجديد -والذي أصبحت مصداقيته موضع شكوك حالياً- عن الجدل الأخلاقي المرتبط بالأسلوب الآخر المتبع في الحصول على الخلايا الجذعية من الأجنة المجهضة. ولكن قبل أن نتطرق للجدل الأخلاقي المرتبط بأبحاث الخلايا الجذعية، أو أن نعدد الآمال المعلقة على الأبحاث الجارية في هذا المجال العلمي، أو أن نستعرض بعض جرائم النصب العلمي التي سقطت فيها تلك الأبحاث، لا بد أن نسترجع بعض المعلومات الأساسية عن هذه الخلايا. بداية، تعود تسمية هذه الخلايا إلى جذع الشجرة، أو الأصل الذي تنبثق عنه الفروع، في إشارة إلى أن جميع خلايا جسم الإنسان، على اختلاف أنواعها، وتعدد وظائفها، تعود في أصلها ومنشأها، إلى مجموعة قليلة من الخلايا في الجنين البشري، ولذا أحياناً تسمى بخلايا المنشأ. وأمام قدرة هذه الخلايا على التحول إلى أي نسيج أو عضو، فكّر العلماء في توظيفها، وتوجيهها، لتكوين أنسجة أو أعضاء، جديدة وسليمة، بحيث تصبح مثلها مثل مصنع لقطع الغيار البشرية، لاستبدال ما تلف وما فشل من الأنسجة والأعضاء. أفضل مثال على التطبيق العملي المستخدم حالياً بالفعل لهذا الأسلوب، هو زراعة نخاع العظام. ففي هذا النوع من العلاج، يتم تدمير نخاع العظام، المصدر الأساسي والمستمر لإنتاج خلايا الدم بمختلف أنوعها، نتيجة إصابة المريض بسرطان الدم مثلا، ثم حقنه لاحقاً بخلايا جذعية دموية، مأخوذة مسبقاً من المريض أو من شخص آخر، لتحل محل خلايا النخاع التي تم القضاء عليها، حيث تبدأ الخلايا الجذعية الجديدة في إنتاج جميع خلايا الدم مرة أخرى. ويبحث العلماء حالياً في احتمالات تطبيق الفكرة نفسها، لاستبدال أنسجة القلب المعطوبة، أو لعلاج أمراض متنوعة مثل الشلل الرعاش، أو لإصلاح إصابات الحبل الشوكي، أو حتى استبدال غضاريف الركبة. وإنْ كانت هذه الأبحاث على نبلها، وقدرتها على تغيير وجه الطب كما نعرفه اليوم، تعتمد في جزء كبير منها على حصد الخلايا الجذعية من الأجنة البشرية، وهو ما يعتبره البعض إجهاضاً غير شرعي، أو حتى جريمة قتل، بناء على وجهة النظر الناصة على أن الحياة -بمفهومها القانوني والشرعي- تبدأ مع تخصيب البويضة. ويحاول العلماء تفادي هذه المعضلة، من خلال الاعتماد على الأجنة الزائدة أو غير المرغوب فيها، التي تنتج من العلاج بأسلوب التلقيح الخارجي لعلاج حالات العقم. عدد هذه الأجنة الزائدة عن الحاجة، أو التي تم تخزينها لفترة تتخطى مدى صلاحيتها للاستخدام، يقدر بأكثر من 400 ألف جنين في الولايات المتحدة فقط. الاتجاه الآخر الذي يسعى فيه العلماء لتجنب استخدام الأجنة البشرية للحصول على الخلايا الجذعية، لغرض الأبحاث، أو الاستخدام الفعلي في العلاج، يعتمد على تحويل الخلايا العادية المأخوذة من أشخاص بالغين، إلى خلايا جذعية، وهو ما نجح المركز العلمي في اليابان خلال شهر يناير الماضي في تحقيقه. ولكن مع مراجعة المعايير التي طبقت في الدراسة اليابانية، وعجز العلماء في عدد من المراكز العلمية حول العالم، في الحصول على نتائج مماثلة، قرر القائمون على المركز الياباني، سحب نتائج تلك الدراسة لمراجعة صحتها ودقتها. هذه المبادرة، وإنْ جاءت طواعية من العلماء اليابانيين، ودون أن يكون هناك شبهة سوء نية، لابد وأن تعيد للذاكرة ما قام به عالم كوري جنوبي قبل بضع سنوات، عندما قام بتزوير نتائج أبحاثه، والإعلان عن اكتشافات واختراقات غير مسبوقة، عمداً وبسوء نية، في واحدة من أشهر حالات النصب العلمي في الذاكرة الحديثة. أضف إلى ذلك، ظهور عدد لا يُستهان به من المستشفيات والمراكز الطبية في بعض الدول، مثل تايلاند والهند، التي تعلن عن قدرتها على علاج أمراض متنوعة ومزمنة، بدءاً من الأمراض السرطانية، ومروراً بالسكري، ونهاية بالتوحد في الأطفال، دون موافقة أو اعتراف الجهات الصحية، ودون سند علمي مؤكد وموثق. مثل هذه الممارسات، وسعي البعض للتربح السريع من مرضى يعانون أمراضاً مزمنة، لا يوفر الطب علاجاً ناجعاً لها، وعلى خلفية الجدل الدائر حول شرعية وقانونية الحصول على الخلايا الجذعية من أجنة مجهضة، يتضح أن هذا المجال الطبي الواعد، ورغم ما تعلق عليه حالياً من آمال كبيرة، لا يزال يخطو خطواته الأولى في حقل ألغام من المعضلات الأخلاقية، ومن الانتهازية العلمية والمالية.