ساهمت الأزمة الأوكرانية الحالية في إطلاق دعوات لقيام أميركا بزيادة صادراتها من الغاز الطبيعي المسال لأوروبا، على أمل أن تترجم إمكاناتها المستجدة في مجال الطاقة إلى نوع من النفوذ الجيوسياسي. ومع أن الفكرة لا تخلو من وجاهة، فإنه إذا كان الهدف هو ممارسة الضغط على الرئيس الروسي بوتين، فإن نظرة فاحصة قد تدفعنا للتفكير في رفع الحظر على الصادرات الأميركية من النفط الخام وليس الغاز الطبيعي، ذلك أن الدفاع عن تصدير الغاز المسال الأميركي ليس بالرد الجدي على الأزمة الراهنة، لسبب بسيط هو أن الولايات المتحدة ما زالت بعيدة عن الموقع الذي يؤهلها لتخفيف الضغوط الروسية على أوكرانيا وأوروبا في مجال الطاقة بالرفع من صادراتها الخاصة. فرغم الوفرة الحالية للغاز الطبيعي الأميركي سيستغرق الوقت سنوات قبل أن تصبح الموانئ جاهزة للتصدير، كما أن البنية التحتية اللازمة لتسييل الغاز ثم إعادته إلى حالته الغازية، تتطلب كلفة مالية باهظة وستأخذ وقتاً طويلا لبنائها. وحتى إذا كانت تلك التحديات المرتبطة بالبنية التحتية من الأمور التي يمكن التعامل معها وتجاوزها، بحيث تستطيع إمدادات الغاز الأميركي التدفق إلى أوروبا وتمكينها من الحصول على بدائل في حال أوقفت روسيا صادراتها من الغاز، فإن تلك الإمدادات الأميركية المأمولة تظل خاضعة لاعتبارات أخرى خارج إرادة الحكومة الأميركية. فصادرات الغاز الأميركي تبقى رهينة تقلبات السوق العالمية وكيفية استجابتها للأزمات التي قد ترفع السعر وتفسح بذلك المجال أمام تدفق الغاز الطبيعي الأميركي، لكن في الحالات العادية البعيدة عن الأزمات، هناك عدد من القيود التي تحد من قدرة أميركا على توظيف صادراتها من الغاز الطبعي كأداة جيوسياسية. وكبداية يجب الانتباه إلى حقيقة أن الحكومات الأميركية والأوروبية ليست المسؤولة عن شراء شحنات الغاز الطبيعي، بل تجري عمليات البيع والشراء من قبل الشركات. وحتى لو تخيلنا أن البنية التحتية أصبحت جاهزة في أميركا وباتت الموانئ مستعدة لتصدير الغاز، فهل يُترجم ذلك إلى انتعاش قوي لتجارة الغاز الطبيعي مع أوروبا؟ على الأرجح أن ذلك لن يتم، على الأقل في ظل النظام الحالي الذي لن تسمح فيه الدينامية الاقتصادية واعتبارات الربح والخسارة من دخول كميات مهمة من الغاز الأميركي للسوق الأوروبية -حيث سعر الغاز وإن كان مرتفعاً بالمقارنة مع أميركا فإنه أقل من نظيره في السوق الآسيوية- ما يعني أن الغاز الطبيعي الأميركي سيشق طريقه عبر المحيط الهادي ليصل إلى آسيا التي تعرض هامش ربح أكبر، والأكثر من ذلك ولاعتبارات تجارية ستكون الصادرات الأميركية مقيدة بالإمدادات العالمية الأخرى، حيث تقدر التوقعات أن الأسواق لن تتحمل كميات كبيرة من الغاز ما يعني أن الإنتاج الأميركي منه لن يكون مبرراً في ظل أسعاره المنخفضة. ورغم كل ما يمكن لواشنطن أن تقوم به لتسهيل عملية الإنتاج والتصدير، تبقى عوامل السوق متحكمة في كمية الغاز التي ستصل إلى أوروبا، بحيث سيعتمد حجم الغاز المصدر على السعر وليس السياسة الأميركية. لكن هذا الأمر لا يعني بأن طفرة الغاز الأميركية لن تكون لها فوائد جيوسياسية، بل بالعكس، فمن خلال التوقف عن استهلاك كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المستورد، تكون أميركا قد حررت تلك الكميات للتوجه إلى أسواق أخرى. ولا أدل على ذلك من أنه في عامي 2010 و2011 توجهت كميات أكبر من الغاز الطبيعي للسوق الأوروبية ليمنحها ذلك فرصة إعادة التفاوض مع روسيا حول العقود طويلة الأمد. والحقيقة أن نقطة ضعف روسيا الأساسية تكمن في أسعار النفط وليس الغاز الطبيعي، فعوائد هذا الأخير لا تتجاوز 8 في المئة من الموازنة العامة لروسيا، بينما تمثل عائدات النفط أكبر من 37 في المئة. ولا ننسى أيضاً أن الانهيار الممتد في أسعار النفط كان من الأسباب التي أدت إلى تفكك الاتحاد السوفييتي. وفي هذا السياق كان لارتفاع الإنتاج الأميركي من النفط خلال السنوات الثلاث الماضية، بإضافة 2.5 مليون برميل يومياً إلى السوق العالمية، دور حيوي في منع تصاعد الأسعار رغم تعثر الإمدادات من ليبيا وإيران وغيرهما. وإذا ما واصلت أميركا وتيرة الإنتاج المرتفعة، كما هو متوقع، فإن ذلك سيمثل ضغطاً في الاتجاه التنازلي للأسعار، بل إن الأمر بالنسبة لروسيا لن يتطلب انخفاضاً كبيراً في الأسعار حتى يتضرر الاقتصاد، فهي تعاني أصلا من مصاعب دفعت الحكومة إلى إقرار تخفيضات في الإنفاق شملت مختلف القطاعات الاقتصادية، هذا ناهيك عن أن قوة بوتين ونفوذه يتكئان على شبكة ممتدة من الريع تسهلها أسعار النفط المرتفعة. ولن تتمكن روسيا من تحقيق التوازن المالي المطلوب ما لم يصل سعر برميل النفط إلى 110 دولارات، علماً أنه يقف حالياً عند حدود 108 دولارات، ما يعني أن أي انحدار في أسعار النفط سيشكل تحدياً جسيماً بالنسبة لبوتين. لذا، وإذا كان الهدف هو إضعاف القاعدة السياسية لبوتين، فإن رفع الحظر على صادرات النفط الأميركي هو الحل وليس زيادة صادرات الغاز الطبيعي، وإن كان التأثير الفعلي للنفط نفسه يظل متواضعاً لأن تدفق الإمدادات الأميركية منه لن يكون بديلا عن النفط الروسي بالنسبة لأوروبا، ذلك أن ما يتحكم في هذه العملية هي الأسواق وليس الحكومات. لكن بالطبع من شأن تزايد الإمدادات النفطية في الأسواق العالمية، واعتماد الولايات المتحدة على إنتاجها الداخلي، التأثير في الأسعار التي ستنخفض حتماً خلال السنوات المقبلة، الأمر الذي سيضعف قبضة بوتين وسينال من نفوذ روسيا الجيوسياسي. ومع أن دعوات زيادة المعروض الأميركي من الغاز الطبيعي تبقى مرحباً بها، لما تعكسه من إدراك لإمكانية توظيف الثروات النفطية في السياسة الدولية، فإنها أيضاً تشير إلى الحاجة لفهم أكبر لمحدودية تلك الإمكانية وتعقيداتها. ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ميجان أوسوليفان أستاذة الإدارة بجامعة هارفارد الأميركية ونائب مستشار الأمن القومي السابق في إدارة بوش الابن ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»