لم تعد الأقليات غير الروسية في القرم وحدها الفئة التي ربما تُسحق حقوقها بينما يتحرك بوتين صوب ضم شبه الجزيرة، إذ يواجه المنتقدون في روسيا كذلك مستقبلا مخيفاً. وقد أكد ميخائيل خودورسكوفسكي، الذي كان أثرى أثرياء روسيا، وحتى وقت قصير كان أشهر سجنائها السياسيين، للأوكرانيين في كييف نهاية الأسبوع الماضي، أنه ليس جميع الروس يتفقون مع غزو بوتين المؤكد للأراضي الأوكرانية، كما أثنى على شجاعة المتظاهرين المناهضين للحرب المعتقلين في موسكو، قائلا إنهم يمثلون «روسيا مختلفة تماماً»، فهم أشخاص تهمهم الصداقة بين الشعبين الروسي والأوكراني أكثر من حريتهم الشخصية. ولقيت كلماته ترحيباً كبيراً، إذ ردد الحضور عبارة «يا روسيا انتفضي». ورغم شجاعتهم، فإن أعداد المتظاهرين الروس لم تتجاوز المئات في دولة يبلغ تعداد سكانها 140 مليون نسمة، بينما يبدو أن غالبية الروس يؤيدون تحركات بوتين، وفقاً لاستطلاعات الرأي التي أجرتها منظمات مختلفة بين مؤيدة للكريملن وأخرى ليبرالية، كلها تشير إلى أن شعبية الرئيس عند أعلى مستوى منذ إعادة انتخابه في عام 2012. وفي هذا السياق، ذكر مساعد بوتين للشؤون الصحفية ديمتري بيسكوف، للقناة الأولى الروسية، أن الدولة ستتحد وأن الغالبية العظمى تتقاسم أيديولوجية الرئيس وتثريها بوحدتها، واصفاً المنشقين بأنهم «نقاد محترفون وقلة من العملاء». وأسس بالفعل فريق من النشطاء المناصرين لبوتين موقعاً على الشبكة العنكبوتية ينشر قائمة «الخائنين» من الصحفيين والمذيعين التلفزيونيين والمشاهير والسياسيين المعارضين، الذين أدانوا حملة غزو القرم. وأوضح مؤسسو الموقع، الذين لم يكشفوا عن هويتهم، قائلين: «نعتقد أن المواطنين الروس الذين يهينوا جنودنا ويشككوا في حاجتنا لمواجهة النازيين الجدد، خائنون، بغض النظر عن مهاراتهم كصحفيين ومؤلفين ومخرجين». ويحتفظ محام يدعى أنطون سورفاتشيف بـ«قائمته السوداء» على موقع «لايف جورنال»، محذراً وسائل الإعلام من أن تأييد أوكرانيا يرقى إلى درجة الخيانة العظمى. ومن جانبه، دعا المحاضر الجامعي أركادي ميناكوف بوتين إلى «تحييد» الطابور الخامس المؤيد للغرب، بينما صب مئات المعلقين على شبكات التواصل الاجتماعي جام غضبهم على «الخائنين». وبالطبع، يمكن أن يكون التحول في المجتمع الروسي عميقاً ومستديماً لفترة طويلة، وبمجرد ضم القرم، سيصبح هناك دافع لدى بوتين للسيطرة على المنشقين في الداخل بقدر ما تتعرض التحركات الروسية للانتقاد من العالم الخارجي واحتمال فرض عقوبات على موسكو. وأشار أستاذ العلوم السياسية ألكساندر موروزوف، الذي توقع غزو القرم، إلى أنه سيصبح هناك شعب مختلف تماماً، مضيفاً: «أن الحياة ستستمر في ظل سور برلين الجديد هذا، وبالنسبة لبعض الناس، سيقدم الوضع الجديد فرصاً كبيرة، بينما سيهاجر آخرون، وسيصمت البعض، في الوقت الذي سيبحث فيه بعض آخر عن أشكال جديدة للولاء». وربما يكون ذلك انتصاراً أكبر لبوتين من ضم القرم، فالحرب التي سينتصر فيها ليست في أوكرانيا، حيث أصبحت الدولة بأسرها الآن ترى الروس أعداء طبيعيين، وليست في الغرب، حيث ستصبح روسيا موضع شك عميق، وإنما هي الحرب الداخلية ضد الأشخاص الذين يريدون وجهاً ومستقبلا مختلفاً لدولتهم. ----- ليونيد بيرشيدسكي، كاتب متخصص في الشؤون الروسية ينشر بترتيب خاص مع «خدمة واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»