يبدو أن الطريق نحو بلوغ الولايات المتحدة للاكتفاء الذاتي في مجال الطاقة، والتي أصبحت ممهدة بفضل ازدهار الغاز النفطي، ليست مفروشة بالورود كما كان متصوراً، بل دونها العديد من العقبات التي منها ارتفاع كلفة التنقيب واستخراج النفط الصخري. فمقابل كل دولار من الأرباح تُنفق الشركات الخاصة دولاراً ونصف الدولار على عمليات التنقيب والاستخراج، كما أن إنتاج آبار النفط الصخري ينخفض بوتيرة أسرع من الآبار التقليدية، وهو ما تؤكده وكالة الطاقة الدولية في باريس التي تقول إنه فيما يتطلب الأمر 2500 بئر في السنة لاستمرار إنتاج مليون برميل يومياً في بئر «باكين» بولاية داكوتا الشمالية بالولايات المتحدة، فإنه لا يتطلب للوصول إلى الإنتاج نفسه سوى 60 بئراً في العراق، وكمثال آخر على ارتفاع تكلفة استخراج النفط الصخري تخطط شركة «سانشيز للطاقة» التي تشرف على عمليات التنقيب في ولاية تكساس إنفاق ما لا يقل عن 600 مليون دولار خلال السنة الجارية، وهو ضعف أرباحها المقدرة في 2013، علماً أن تشكيلات النفط الغازي في تكساس ومعها تلك الموجودة في داكوتا الشمالية تمثل مناطق التنقيب الأساسية التي دفعت إنتاج الخام الأميركي إلى أعلى مستوى له منذ أكثر من 26 سنة. وأضافت الشركة أن بئر «سانتي نورث» ضخ كمية من المياه تفوق بمقدار خمس مرات ما يضخه من النفط الخام، وهو أيضاً ما يوضحه «تاد باتزيك»، عميد كلية هندسة النفط والأنظمة الجيولوجية بجامعة تكساس، قائلًا «بدأنا نعيش في عالم مختلف حيث الحصول على مزيد من النفط يتطلب قدراً أكبر من الجهد والطاقة، وسيكون الأمر أكثر كلفة من السابق». وتبذل شركات التنقيب جهداً كبيراً في الحفاظ على المكاسب التي تحققت في إنتاج الولايات المتحدة للنفط منذ نهاية 2011 بارتفاعه إلى 39 في المئة، لكن تحقيق هذا الهدف ومعه الوصول إلى اكتفاء ذاتي في مجال الطاقة يعتمد كثيراً على سهولة الحصول على قروض وبقاء أسعار النفط في الأسواق العالمية مرتفعة بما يكفي لتغطية التكاليف المحلية. فحتى باستقرار سعر النفط في حدود 100 دولار للبرميل، ما زال منتجو النفط الصخري ينفقون المال أسرع مما يجنون، بحيث يبدو أن صناعة النفط الأميركية عليها الإسراع فقط للبقاء في مكانها وتفادي الخسارة، وفي هذا الصدد تتوقع وكالة الطاقة الدولية أن ينفق المنقبون الأميركيون أكثر من 2.8 تريليون دولار حتى عام 2035، رغم أن الإنتاج سيصل ذروته قبل ذلك التاريخ بعقد من الزمن، فيما سيكون الإنفاق في الشرق الأوسط أقل بالثلث من نظيره في أميركا لإنتاج كميات من النفط أكثر بثلاث مرات. لكن رغم هذه الصعوبات التي تعترض طريق النفط الصخري في الولايات المتحدة، يجد المحللون ومديرو شركات التنقيب ما يكفي من المبررات للتفاؤل، ففيما يحقق استخراج النفط في العراق معادلة الربح والخسارة بسعر لا يتجاوز 20 دولاراً للبرميل، سيبقى الإنتاج محدوداً بالنظر إلى المخاطر السياسية، هذه الخلاصة أكدتها وحدة الأبحاث في البضائع بمؤسسة «سيتيجروب، بنيويورك في تقرير لها صادر خلال شهر يناير الماضي، وفي المقابل تتساوى كفتا النفقات والمداخيل بالنسبة للنفط الصخري الأميركي عند سعر 60 و80 دولاراً للبرميل، حسب تقديرات وكالة الطاقة الدولية. وإذا كان سعر برميل النفط في الأسواق العالمية لم ينزل عن 80 دولاراً منذ عام 2012، وظل فوق 90 دولاراً منذ شهر مايو الماضي، إلا أنه من المتوقع وفقاً للمحللين انخفاض أسعار النفط في أميركا بفضل سرعة التنقب من جهة وتحسن النتائج من جهة أخرى. وعن هذا الموضوع، يقول «ريك بوت»، المدير التنفيذي لشركة «كونتيناتل ريسورسز» الرائدة في مجال التنقيب عن النفط الصخري، «ستواصل الاستثمارات في قطاع النفط والغاز بالولايات المتحدة الاستفادة من استثمارات مهمة لأن العائد على تلك الاستثمارات يظل جيداً وتنافسياً مقارنة مع الفرص الأخرى»، مضيفاً أن «التطور التكنولوجي سيُبقي آبار النفط الكبرى في صدارة الفرص الاستثمارية في المستقبل المنظور». وبحسب معطيات إدارة معلومات الطاقة، وهي الذراع الإحصائية لوزارة الطاقة الأميركية، سيصل إنتاج النفط في أميركا إلى 9.2 مليون برميل في اليوم بحلول عام 2015 مقارنة بـ 7.4 مليون برميل يومياً وصلتها الولايات المتحدة في السنة الماضية، هذه الزيادة المرتقبة في الإنتاج هي ما دفع «أندي ليبو»، مدير إحدى شركات الاستشارات في مجال الطاقة بتكساس إلى الجزم بأن «طفرة النفط الصخري لن تنتهي، بل نحن فقط في البداية». لكن هناك من الخبراء مثل «تاد باتزيك» عميد كلية الهندسة النفطية بجامعة تكساس، يرى بأن التقديرات المتفائلة حول إنتاج النفط الصخري في أميركا تروج لأفكار خاطئة حول إمكانية تكرار السهولة التي استخرج بها النفط والغاز الصخري في جميع المناطق الأميركية. فالمنطقة التي تمتد عليها الآبار الكبرى وهي «باكين»، بالإضافة إلى تشكيلات «فوركس» الثلاثة القريبة من بعضها البعض تعادل مساحة فرنسا، هذا ناهيك عن أن إنتاج آبار النفط الصخري تنخفض بوتيرة سريعة بين 60 و70 في المئة خلال السنة الأولى فقط، فيما يستغرق الوقت لانخفاض الإنتاج في الحقول التقليدية إلى 55 في المئة قبل أن يستقر الإنتاج، وهو ما يضطر الشركات إلى الاستمرار في حفر الآبار لتعويض الخسارة في الإنتاج، هذا الأمر عبر عنه «مارك يونج»، المحلل بإحدى شركات النفط بلندن قائلاً: «عليك الحفر أكثر واستكشاف الآبار ما يعني الحاجة إلى مزيد من المال». ------ أجيلين لودر محلل اقتصادي أميركي ------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»