هناك نقاشات ساخنة حول ماهية السياسات التي يجب انتهاجها رداً على قرار بوتين بانتهاك السيادة الأوكرانية ووحدة أراضيها عن طريق إرسال قوات روسية إلى شبه جزيرة القرم. وعلى الرغم من الأهمية الواضحة لهذا النقاش، إلا أننا لا ينبغي أن نتجاهل الدروس التي تعلمناها من الماضي والتي أدت بنا إلى هذه النقطة. والدرس الأول أن بوتين لم يدفع أي ثمن مقابل الغزو الروسي لجورجيا في عام 2008. ولم يدفع كذلك ثمن الضم الفعلي لأقاليم جنوب أوسيتيا وأبخازيا الجورجية. وعليه، ما يقارب خمس مساحة جورجيا ما زال يخضع للاحتلال الروسي، كما أقام الجيش الروسي قواعد دائمة في انتهاك لاتفاقية وقف إطلاق النار. لكن لماذا لا يفكر بوتين في أن اقتطاع جزء من أوكرانيا هو بمثابة تجربة غير مكلفة نسبياً؟ والدرس الثاني أنه إذا كانت أدوات الاتحاد الأوروبي «الناعمة» للسيطرة والمتمثلة في التجارة والدبلوماسية ساعدت على تحقيق الاستقرار في وسط وشرق أوروبا خلال حقبة ما بعد الحرب الباردة، فإن ذلك قد تحقق بالتعاون مع الضمانات الأمنية «الصعبة» التي وفرها توسع «الناتو» شرقاً. الأزمة الحالية بدأت عندما عرض الاتحاد الأوروبي إبرام اتفاقية للتجارة الحرة مع أوكرانيا، حيث كانت كييف على وشك التوقيع على الاتفاق حتى تدخلت روسيا وقدمت مليارات الدولارات للحكومة الأوكرانية وموظفيها. هذا لا يعني القول إن تودد الاتحاد الأوروبي لأوكرانيا كان خطأ، ولكن العكس تماماً. لكن هذا تذكير مفيد أن الجهود المبذولة لخلق أوروبا «غير مجزأة وحرة» في غياب مساعدة «الناتو» هو اقتراح محل تساءل إلى حد بعيد. الدرس الثالث أنه لا يمكن الالتفاف حول طبيعة حكومة بوتين في محاولة «إعادة ضبط» العلاقات. وعندما جاء أوباما إلى الحكم، كان يريد التركيز على الشؤون الداخلية. وهذا يعني ليس فقط إنهاء جميع الحروب التي كانت الولايات المتحدة تشارك بها ولكن أيضاً خلق حزمة أقل ازعاجاً من العلاقات مع الصين وروسيا. لكن مشكلة هذه الاستراتيجية تكمن دائماً في أنه مهما كانت هناك مصالح مشتركة، فإن الأولوية الأكبر والأهم بالنسبة لبوتين كانت استرجاع مكانة القوة العظمى لروسيا. خلال الأيام المقبلة ستكون هناك مقترحات بإلغاء تأشيرات الدخول الروسية، وتجميد الأصول، واستدعاء السفراء، وإلغاء اجتماع مجموعة الثماني المقرر عقده في سوتشي، بروسيا، وبوجه عام عزل بوتين دبلوماسياً. كما ستكون هناك أيضاً دعوات لتقديم مساعدات اقتصادية وعسكرية لأوكرانيا حتى تتمكن من وقف المحاولات الرامية لتقطيع أراضيها. وعلى المدى الطويل، فإن هذه الاجراءات لن تكون كافية إذا لم يتم استيعاب دروس الماضي الكبرى والاستفادة منها في التأكيد على الاستراتيجيات التي تتبناها الولايات المتحدة نحو أوكرانيا وآسيا. ولن يعم السلام أوكرانيا ما لم ير بوتين أن تكلفة تصرفاته تفوق بكثير المكتسبات التي حصل عليها. ------- جاري شميت مدير مركز «مارلين وير» بمعهد «أميركان انتربرايز» ------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم.سي.تي. انترناشونال»