الجميع يعرفون أن هناك الكثير من المشتركات بين العرب والأوروبيين . فكلاهما يعيش على مقربة من الآخر، كما كان بينهما لمئات السنين نوع من التداخل العميق والترابط الوثيق في المجالات الاقتصادية، والسياسية والثقافية.. والآن العرقية أيضا. وأي شخص يستقل (مترو) الضواحي في باريس لن يخطئ ملامح الاختلاط العرقي البادية على وجوه بعض الشباب. وركوب مترو (لندن) أيضا سيوصلنا إلى النتيجة نفسها. فمدينتا باريس ولندن، بالإضافة إلى كونهما مركزين عظيمين للحضارة الأوروبية، أصبحتا أيضا مدينتان عربيتان-إسلاميتان كبيرتان.
لقد أصبحت الكيفية التي يمكن بها تحقيق نوع من التلاقح الناجح بين الحضارات والأديان والأجناس وطرائق العيش، واحدة من التحديات الكبرى التي تواجه العالم في القرن الحادي والعشرين.
من ضمن المشتركات العديدة بين العرب والأوروبيين، تلك المشكلة التي يواجهانها في كيفية التعامل مع الولايات المتحدة (القوة الماحقة)، التي دخلت الآن، بعد سقوط منافسها الاتحاد السوفييتي السابق، في طور تاريخي أصبحت تتسم فيه بالقوة الغاشمة والسيطرة بل والعدوانية أيضا. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذا السياق هو : هل يعني ذلك أن العالم يجب أن يقاوم أميركا أم يستسلم لها.. أم أن هناك حلا وسطا من نوع ما بين الاثنين؟
لقد ألقت الأزمة العراقية بضوء كاشف وقاس على هذه المآزق. ففي كل من أوروبا والعالم العربي، قامت دول بتأييد غزو الولايات المتحدة واحتلالها للعراق، في حين قامت دول أخرى بمعارضة ذلك، واختارت دول غيرها أن تنأى بنفسها عن التأييد أو الرفض الصريح. وهذه المواقف ليست مصبوبة في قوالب حجرية، أي ليست ثابتة، ولكنها مواقف في حالة سائلة قابلة للتشكل وفقا للظروف السائدة. فالعالم بأسره قد رأى كيف قامت كل من (فرنسا) و(ألمانيا) و(روسيا) -وهي الدول التي عارضت غزو العراق - بإعطاء موافقتها على قرار الأمم المتحدة الأخير بشأن العراق، والذي يتيح لـ(بوش) أن يزعم الآن أن مجلس الأمن قد أقر احتلال أميركا لهذا البلد،على رغم أنه ليس متوقعا كنتيجة لهذا القرار، أن تحصل واشنطن على مساعدة دولية كبيرة، سواء فيما يتعلق بإرسال قوات، أو تقديم أموال لمساعدتها في المهمة الصعبة التي تضطلع بها في العراق. ويمكن في هذا السياق القول إن الموقف المهادن الذي تقفه تلك الدول من أميركا، يدل على أنها أصبحت غير راغبة في توجيه المزيد من الإهانات لها، مع حرصها في الوقت نفسه على التمسك بقوة بتحفظاتها بشأن السياسة الأميركية، التي يرى الكثيرون أنها خاطئة إلى حد فادح.
ومن الجدير بالذكر في هذا السياق أنه قد تم التوصل إلى نوع من التسوية أو الحل الوسط بواسطة الدول الرئيسية في الاتحاد الأوروبي، بخصوص الموضوع المثير للجدل الخاص بالسياسة الدفاعية الأوروبية. فكل من فرنسا وألمانيا يعتقدان -كما أعلن الرئيس (شيراك) نفسه- (أنه لن تكون هناك أوروبا موحدة طالما ظلت القارة مفتقرة إلى القدرة على الدفاع عن نفسها). ولوضع تلك الفكرة موضع التنفيذ العملي، قررت كل من فرنسا وألمانيا ومعهما بلجيكا ولكسمبورج، أن الحاجة تدعوهم إلى إنشاء هيئة تخطيط عسكري أوروبية، تعمل خارج نطاق منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) التي تهيمن عليها أميركا.
أما (بريطانيا) الحائرة كعادتها بين أوروبا والولايات المتحدة فقد كانت معادية للفكرة في البداية ، في حين قامت واشنطن-كما هو متوقع- بمعارضتها بقوة. ولم يقتصر رد فعلها على ذلك، بل إن الحقيقة هي أنها تقوم منذ أسابيع عديدة بشن حملة دبلوماسية معادية ضد الخطط الرامية لتجسيد قدرة عسكرية أوروبية أكثر استقلالا عنها.
بعد ذلك وقع ما اعتبر أمرا مثيرا للدهشة. ففي قمة ثلاثية عقدت في (برلين) الشهر الماضي بين بريطانيا وفرنسا وألمانيا، أوضح رئيس الوزراء البريطاني(توني بلير) بجلاء أنه يريد رأب الصدع في العلاقة المتوترة بينه وبين شركائه الأوروبيين، من خلال قيامه بدعم الخطط الرامية إلى تحقيق المزيد من التعاون بين دول الاتحاد الأوروبي في موضوع الدفاع . وقد ردت الولايات المتحدة على ذلك التصريح بعنف وفورا، عندما طالبت بعقد اجتماع استثنائي لـ(الناتو) لمعارضة تبني سياسة أمنية ودفاعية مستقلة عن الحلف من قبل الاتحاد الأوروبي. ويريد كل من البيت الأبيض والبنتاجون في هذا الصدد، أن يعرفا على وجه التحديد، المدى الذي يمكن لـ(بلير) أن يذهب إليه فيما يتعلق بالتعاون مع كل من فرنسا وألمانيا في موضوع السياسة الدفاعية الأوروبية.
قبل الأزمة العراقية ، كانت الولايات المتحدة تبدو وكأنها تحبذ عملية تحقيق التكامل الأوروبي. ولكنها بعد أن واجهت معارضة لسياستها نحو العراق من قبل بعض الدول الأوروبية، فإنها أصبحت الآن -وكما تدل الظواهر- تفضل أن تبقى أوروبا كقارة تتكون من مجموعة من الدول المتفرقة وغير الموحدة، التي يمكن إخضاعها بسهولة لإرادتها - كما تعتقد. لقد أصبحت عبارة (فرق تسد) هي العبارة المأثورة في واشنطن الآن.
إن ما يحدث أمامنا في الوقت الراهن هو سلسلة