إذا كانت جذور الليبرالية الفكرية قد نمت من خلال مفكري القرن السابع عشر في أكثر من دولة، إنجلترا وفرنسا وإلى حد ما في الولايات المتحدة- يقول د. حازم الببلاوي- «فإنها وجدت أهم تطبيقاتها في إنجلترا خلال القرن التاسع عشر. ويمكن القول بأن الفترة منذ نهاية الحروب النابليونية عام 1815 وحتى قيام الحرب العالمية الأولى 1914 هي أبرز فترات الحكم الليبرالي في إنجلترا. وكان تداول السلطة بين حزب الأحرار وحزب المحافظين تعبيراً عن سيطرة الأفكار الليبرالية». ولو عدنا شيئاً إلى الوراء في تاريخ بريطانيا التي ظهرت فيها الديمقراطية الحديثة أوَّل ما ظهرت وثيقتها الدستورية المسماة بـ «الماجنا كارتا»، لوجدنا أن هذه الديمقراطية الإنجليزية كانت تشوبها بعض المآخذ عام 1750 مثلاً. فالتصويت كان من حق الملاك الأثرياء وحدهم، ولهذا حرم نحو 85% من الإنجليز الذكور حق التصويت، بينما لم تكن للنساء أية حقوق سياسية. وكان التصويت للمرشحين علنياً برفع الأيدي لا بالتصويت السري، وأدى هذا النوع من التصويت إلى منع الناخبين من التعبير الحر عن آرائهم، وتسبب في انتشار شراء الأصوات والابتزاز المالي والتهديد وغير ذلك. ومن جانب آخر، تجاهل قانون الانتخاب لمجلس «العموم» الخلخلة السكانية الناجمة عن الثورة الصناعية، والهجرة من المناطق الريفية إلى المدن. فحرمت المناطق السكانية المزدحمة الجديدة مثل «مانشستر» و«ليدز» من التمثيل النيابي، فيما ظلّت مناطق أخرى شبه مهجورة محتفظة بتأثيرها الانتخابي. وكانت هذه المناطق المنخفضة السكان تسمى بالمدن أو القصبات المتعفنة، أما تلك التي كان مالك الأرض القوي النفوذ يختار شخصياً ممثلي البلدة أو المنطقة لمجلس العموم فتسمى «منطقة بالجيب». وكانت المناصب الكبرى والأساسية في الدولة بعيدة عن متناول الشعب. فالطامح إلى الحصول عليها لا بد أن يكون من الأثرياء، وممن يبدي استعداده لشغل هذه المناصب دون راتب أو عائد مادي، وأن يكون فوق ذلك عضواً في الكنيسة الإنجليزية، أو منتمياً إلى أي مذهب بروتستانتي آخر. مما أقفل مجالات الإدارة الحكومية في وجه الكاثوليك واليهود وفقراء الشعب. ولكن د. الببلاوي يلفت النظر إلى مسألة مهمة في تطور الليبرالية. فيقول إن تصاعد نمو الرأسمالية في إنجلترا، سرعان ما صاحبه، مع ازدهار النشاط الاقتصادي الصناعي «بداية تدخل الدولة في ضبط حدود ذلك النشاط. فصدرت القوانين المنظمة للعمل سواء من حيث وضع الضوابط على تشغيل الأحداث والنساء أو مراعاة ظروف الأمان والصحة». وتدل هذه الملاحظة، على أن التدخل كان دائماً بضغط من الليبراليين، ويبين د. الببلاوي، أن الليبرالية منذ البداية لم تكن تعني إعطاء الحرية المطلقة لرأس المال واستغلال العمال، الأمر الذي يؤكد أن ما يُعرف باسم «دعه يعمل، دعه يمر»، «لم يكن أبداً من تعاليم الفكر الليبرالي، فالنظم الليبرالية اعترفت دوماً بدور مهم للدولة، ولكن مع ضرورة الاحترام الكامل لحقوق الأفراد وحرياتهم، وهو أمر لا يتعارض مع مبدأ تدخل الدولة». خصّ الفيلسوف الإنجليزي الكبير برتراند راسل (1872 - 1970) مرحلة صعود الديمقراطية الليبرالية في بريطانيا ببحث شيِّق في كتابه المترجم إلى العربية بعنوان «الحرية والتنظيم: 1814 - 1914»، فبحث هذه الفترة بقلمه الشيِّق وعقله الناقد وروحه الإنسانية، وتحدث عن صراع الأحرار الليبراليين والمحافظين، وكانا من طبقة واحدة، وقال: كان الأحرار والمحافظون جميعاً من الأرستقراطيين. ويضيف الفيلسوف «راسل» ساخراً: «كان المحافظون في بداية القرن التاسع عشر بصفة عامة أقل ذكاء من الأحرار. ولم يكن مبدؤهم الأساسي، وهو معارضة فرنسا وكل الأفكار الفرنسية، يتطلب تفكيراً مستنيراً ولا يدفع إلى تفكير مستنير، وكانوا مخلصين للكنيسة والملك. وكانوا يؤمنون بأن الدرجات الاجتماعية من صنع الله، وبأن احترام الصغير للكبير أمر بالغ الأهمية. وكانوا في صف المصالح الزراعية ويودون أن تظل إنجلترا معتمدة على نفسها في إنتاج ما تحتاجه من غذاء. وكانوا يعارضون بطبيعة الحال انتشار التعليم بين الجماهير وحرية الصحافة والخطب التي تثير الفتنة، وكان الرجل العظيم الوحيد بينهم هو دوق ولنجتون».. أما «الأحرار»، يضيف «راسل»، «فكانوا أكثر إمتاعاً وأشد تعقيداً. ولما كانوا مدينين بمركزهم لثورة ناجحة ضد ملك، فإنهم لم يعتنقوا في وقت من الأوقات ذلك الولاء المطلق الذي كان يتسم به المحافظون. وبينما كان أغلب الأحرار أيام الثورة الفرنسية قد حذوا حذو «بيرك» في التنديد بالثورة، كان «فوكس» الذي ظل الزعيم الرسمي للحزب، في صف الفرنسيين إلى أقصى حد، ولم يتحمسوا أبداً للحرب - ضد نابليون - حماسة المحافظين. وكان الأحرار يؤمنون بالمَلَكِيّة، باعتبارها أداة نافعة لحماية النظام العام، إلا أنهم لم يدعوا في يوم من الأيام أنهم يكنون احتراماً لأشخاص الملوك». وقد انتقد أحدهم بناء قصر بكنجهام في عهد «وليام الرابع» (1765 - 1837) الذي اعتلى العرش البريطاني عام 1830، وكان ضعيفاً، ثم جاءت من بعده الملكة فيكتوريا، ابنة أخيه، فقال: «لم يحدث أبداً أن كان هُناك إسراف شرير مبتذل مثل هذا. لقد تكلف مليوناً من الجنيهات، وليس هُناك خطأ واحد لم يُرتكب فيه. دخلت بريطانيا مع انتهاء الحروب النابليونية مرحلة الإصلاحات الديمقراطية، التي امتدت كما ذكرنا قرابة قرن، ما بين 1815 - 1914. سادت الروح التوافقية والتدرج الإصلاحات السياسية في بريطانيا بدلاً من العنف الثوري . وتم ذلك بتنازلات متبادلة بين المحافظين والأحرار، وممثلي الأثرياء الأرستقراطيين من جانب والفقراء. كان مشروع الإصلاح النيابي عام 1832 الاختبار الأول للنوايا، وكان يحظى بدعم شعبي عريض. وقد نال المشروع أغلبية الأصوات في مجلس العموم، ولم توقفه معارضة مجلس اللوردات بعد أن هدد الملك بأن يمنح المزيد من اللوردات الليبراليين حتى العضوية في المجلس بما يضمن نجاح التصويت لصالح القرار. وكان من نتائج قرار الإصلاح العظيم هذا كما سمي، Great Reform Bill، تخفيف شروط الثراء والمِلْكية في التصويت، وبذلك شمل الحق الطبقة المتوسطة، وألغى حق التمثيل النيابي من القرى والبلدات المهجورة، وضمن هذا الحق للكثير من المناطق الصناعية المزدحمة. وهكذا انتهت هيمنة ملاك الأراضي من الأرستقراطية الإنجليزية على قرارات مجلس العموم، لصالح الطبقة الوسطى التجارية والصناعية، التي كانت قد ضاقت ذرعاً بضغوط وتدخلات الأرستقراطية الزراعية والعقارية. وجاءت الخطوة الثانية في الإصلاح البرلماني البريطاني من خلال التحرك العمالي في المدن وتقديم جملة مطالب إصلاحية لم تشملها الحركة الأولى. وفي عام 1867 برزت مطالب عمالية وشعبية أوسع لتخفيض شروط الملكية العقارية وتوسيع حقوق عمال المدن الانتخابية. وكانت هذه الحملة في البرلمان بقيادة زعيم حزب المحافظين بنيامين ديزرائيلي الذي فكّر باستقطاب عمال المدن وضمان أصواتهم إلى جانب الأرستقراطية الزراعية وملاك الأراضي، حيث ستتمكن هذه القوة الانتخابية من هزيمة الليبراليين التجار وملاك المصانع. غير أن نصيب «ديزرائيلي» كان الفشل في مسعاه هذا، إذ اعتاد العمال الاعتماد على الليبراليين لتحقيق مطالبهم الديمقراطية ومع الوقت ظهر إلى الوجود تنظيم خاص بهم وهو «حزب العمال». وفي عام 1884 تم تقديم مشروع برلماني منح العمال الزراعيين حق المشاركة في الانتخابات. وقد فاز المشروع بدعم من الحزب الليبرالي برئاسة رئيس الوزراء البريطاني وليام جلادستون. وفي عام 1918، بعد الحرب العالمية الأولى، نال كل الرجال فوق الـ 21 عاماً من أعمارهم حق التصويت. ومنح القانون نفسه الحقوق السياسية لمعظم النساء فوق الـ 30 عاماً، تقديراً لمساهمة المرأة وعطائها وتضحياتها خلال سنوات الحرب. وأخيراً، جرت الموافقة عام 1928 على منح كل امرأة فوق الـ 21 عاماً حق التصويت، وبذلك أنجزت بريطانيا هذا المشروع الديمقراطي الطموح.