زار وزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو إقليم كردستان، واجتمع بالبارزاني، وتحدث إلى الصحفيين ببضع كلمات باللغة الكردية تقرباً إلى الأكراد. ومع أنه كان قد زار طهران بصحبة أردوغان قبل أسابيع، واصطحب معه إلى كردستان العراق وزير الخارجية العراقي هوشيار زيباري، فإن أنصار المالكي ببغداد سرعان ما هاجموا أوغلو باعتبار أنه يريد زيادة الفتنة بين الأكراد والحكومة العراقية. طهران تريد أن يستمر المالكي في الحكم لفترة ثالثة. ولأن الانتخابات قريبة، فإن المالكي ضغط بشدة على خصومه السياسيين بالداخل من الشيعة وغيرهم. في الجهة الشيعية عمدت طهران لزيادة الضغط على مقتدى الصدر حتى خرج عن طوره من جديد. أما آل الحكيم، فاستجابوا للضغوط الإيرانية واقتربوا من المالكي. وازدادت ضغوط المالكي على الأكراد بشأن تصديرهم للنفط عبر تركيا دونما إذن من الحكومة المركزية. وآخر إجراءاته ضدهم إيقاف نصيب الأكراد من الميزانية العامة مما اضطرهم لعدم دفع مرتبات الموظفين هناك. ورد الأكراد بقطع مياه السدود الموجودة بالمنطقة الكردية عن الأقاليم الشيعية بشمال العراق ووسطه وجنوبه. ومنذ شهرين يشن المالكي حملة عسكرية على «داعش» بالرمادي والفلوجة. إنما الطريف أنه عمد قبل ذلك إلى فض الاعتصامات الاحتجاجية السلمية في تلك الأقاليم، والمستمرة منذ عام ونيِّف. وكانت النتيجة أن اتهمه خصومه من السياسيين السنة، بأنه يسلك سلوكاً طائفياً لجمع الشيعة من حوله قبل الانتخابات. وأنه إنما ينفّذ أجندة إيرانية. وكان الرجل قد افتتح تلك الحملة بخطاب من كربلاء تحدث فيه عن الصراع المستمر بين أنصار الحسين وأنصار يزيد، وأن بينهما بحوراً من الدم! وفي الوقت نفسه ترك الجنرال الإيراني قاسم سليماني يُرسلُ آلاف «المتطوعين» العراقيين للقتال إلى جانب بشار الأسد. وآخِر القادمين من العراق إلى سوريا «قوات بدر» التي كانت تابعة لـ«المجلس الأعلى» (آل الحكيم)، ثم احتضنها سليماني وفصلها وعين لقيادتها الخزعلي والعامري. والعامري هو وزير النقل في حكومة المالكي القائمة. وكان أردوغان قد دخل مع طهران في صراع على سوريا طوال السنتين الماضيتين، مستعيناً بقطر. لأنه يريد سيطرة الإسلاميين في دول المشرق العربي ومصر. وردت طهران بإثارة أكراد تركيا، كما أثارت العلويين الأتراك ضدّ أردوغان. وقد اضطره ذلك مع زيادة الخصومات بالداخل التركي، إلى الذهاب لطهران للمصالحة. والذي يبدو أن جولة وزير الخارجية التركي هذه المرة إلى كردستان المقصودُ بها ليس إثارة الأكراد، بل التوسط بينهم وبين المالكي بتكليف من طهران! ويمتد المسرح الطهراني الإيراني خلال السنوات الماضية إلى سوريا ولبنان واليمن. ولإيران أفعال تقسيمية في دول عربية أخرى مثل البحرين والكويت. وما تزال عاملة في ارتهان غزة و«حماس»، لأنها تريد الاحتفاظ وهماً وإيهاماً وابتزازاً براية «المقاومة» لإسرائيل! بينما المعروف أن الجيب الذي أقامه الأسد وسليماني بغزة عام 2007 كان المقصود به زرع شوكة في خاصرة مصر، التي تتهم «حماس» الآن بالإرهاب. ونعود إلى البلدان العربية التي تملك إيران فيها تنظيمات طائفية مسلحة، وهي سوريا ولبنان واليمن. ففي هذا الشهر يبلغ عمر الثورة السورية على الأسد ثلاث سنوات. ومنذ أكثر من سنتين بدأت طهران ترسل السلاح والمال والرجال إلى النظام السوري. ويبلغ عدد كتائب الحرس الثوري الإيراني بسوريا العشرة آلاف. أما الميليشيات الشيعية التي سلحها سليماني ودربها وأرسلها بمساعدة المالكي فيبلغ عددها الثلاثين ألفاً. وهي تضم «متطوعين» شيعة من تسعة بلدان أهمها لبنان والعراق. و«حزب الله» متوطّنٌ منذ ثلاثة عقود بلبنان، وله نفوذ كبير في مؤسسات الدولة والجيش. وعنده مواطن شاسعة مقفلة. وقد تصاعد التوتر بين الشيعة والسنة بالبلاد، نتيجة أعمال الحزب بالداخل، ونتيجة إرساله آلاف المقاتلين إلى سوريا. وفي اليمن يلعب الإيرانيون في الشمال من خلال الحوثيين، وفي الجنوب من خلال الانفصاليين. والبلدان الأربعة هذه (العراق ولبنان واليمن وسوريا) تكاد الحياة فيها تتعطل، والخراب ينتشر، والقتل لا يتوقف، بسبب التدخل الإيراني. والبحرين أفضل حالا بقليل بسبب الحماية الخليجية. إن التدخل الإيراني المسلح والسياسي والطائفي الانقسامي هو التحدي الرئيسي الذي يواجهه العرب في المشرق والخليج. ولا مخرج من هذا الداء الفظيع إلا بالتعاون العربي لدعم شعوب تلك البلدان، وحمايتها من القتل اليومي، من جانب الإيرانيين ومن جانب مليشياتهم، ومن جانب خصومهم أيضاً! ولا عمل عربي في هذا السبيل إلا من جانب دول الخليج. وقد صار للإيرانيين حزب عربي مكوَّن من عدة أنظمة، تعمل على تمييع كلّ خطوة لإعادة الاستقرار. بيد أن المذنب الأكبر في استمرار هذه الأوضاع بعد إيران إنما هو السياسات الدولية. فالروس والصينيون ظلوا سنتين ونصفاً يحولون بالفيتو دون إدانة النظام السوري القاتل لشعبه. وبالطبع فإن الروس ما ساعدوا في مؤتمر جنيف-2 ولن يعملوا شيئاً لإنفاذ القرار الدولي للممرات الإنسانية. وهذا فضلا عن السلاح الثقيل والخبراء الروس في سوريا. والولايات المتحدة من جانبها كشفت الغطاء عن الأوروبيين الذين كانوا يريدون التدخل بعد القصف بالكيماوي، وما عملت شيئاً غير شتم النظام السوري، وشتم خصومه «الإرهابيين». ولنذهب إلى عامل التهديد الثاني للاستقرار العربي: الجهاديون وأحزاب الإسلام السياسي. فقد اكتسب الجهاديون بعض القبول بين الشباب من قبل باعتبارهم الذين واجهوا الولايات المتحدة في كل مكان. بيد أنهم قتلوا بالدواخل العربية وما يزالون، ودمروا سمعة العرب والمسلمين لأجيال قادمة. وهم في موجتهم الثانية خلال السنوات الأربع الماضية أشدّ إجراماً وأكثر فتكاً وتقسيماً. وبخاصة أنهم يعطون أعمالهم الإجرامية نكهة طائفية مثيرة للاشمئزاز. فهؤلاء لابد من مكافحتهم، باعتبارهم خطراً حاضراً مثل المليشيات الإيرانية. بيد أن الخطر الاستراتيجي يأتي من الإسلام الأصولي الآخَر الذي سميتُه في بحوثي إسلاماً سياسياً. فقد كوَّن هؤلاء عبر عدة عقود تيارات وأحزاباً صارت واسعة الانتشار في أَوساط المتعلمين. وفكرتهم عن الدولة لا تختلف عن فكرة «ولاية الفقيه»، وإنما هم يستبدلون بالإمامة الشريعة والمرشد. وهم يحصرون «الشرعية» بهم، بمعنى أن «الدولة الإسلامية» الموعودة لن تقوم إلا إذا تولَّوا هم السلطة. وقد اكتسبوا أو اكتسب بعضهم سُمعة لدى الغرب عبر عدة عقود، بأنهم لا يمارسون العنف، لكنهم عادوا لممارسته عندما أُزيلوا من السلطة بمصر. ويرجع النجاح النسبي لتيارات الإسلام السياسي بعد الثورات، إلى أنهم أحزاب منظمة وأكثرها تحت الأرض. بيد أن هناك عاملا آخر هو «تحويل المفاهيم»، بمعنى أنهم نجحوا في إقناع شرائح بشعاراتهم مثل: الإسلام دين ودولة. والشرعية والشريعة. وتطبيق الشريعة.. فأعطوا لكل ذلك معاني سياسية، وأسسوها على الدين، وربطوا شرعية الدول والأنظمة بها. ولذا لابد من عمليات إصلاح ديني للخروج من دعاوى الجهاديين، وتنظيمات الصحويين. هذان تحديان كبيران: التحدي الإيراني، والتحدي الصحوي (الجهادي والتنظيمي)، وهما تحديان لابد أن يقوم بأعبائهما الجميع. فالدول يكون عليها الدفاع عن الأمن العربي والسيادة العربية. أما نحن فينبغي أن نعود للتواصل والتعاون والتآزر، واستحداث نهوض ديني يُخرج الناس من النزاع مع دينهم ودولهم.