عرف الاتحاد الأوروبي خلال السنوات الأخيرة أخطر أزمة وجودية طُرحت عليه منذ إنشائه وتوسعه التدريجي عبر السنين، وعلى امتداد خريطة القارة، وذلك بسبب تطاول وتفاقم الأزمة النقدية، واتساع الشرخ وافتراق الإرادات بين الدول الكبيرة والدول الصغيرة، الغنية والفقيرة، ليدفع ذلك أشد أنصار المشروع الوحدوي الأوروبي لاكتشاف حدود هذا المشروع، وما يحفل به من بذور تفكك واختلاف وخلاف. وبدلاً من الاستمرار في حلم تحقيق مزيد من الاندماج أصبحت أيدي كثير من الخبراء والمراقبين للشأن الأوروبي على قلوبهم خوفاً وتوجساً من أن يؤدي تباعد السياسات الوطنية، وتضارب المصالح بين الدول الأعضاء، إلى نقطة تعود فيها أوروبا لعهود التفكك من جديد، مع كل ما قد يترتب على ذلك من احتدام صراع وتناقض وتعارض في المصالح والمواقف والسياسات. ومأزق الاتحاد الأوروبي الراهن هو ما تناقشه عنه الكاتبة الفرنسية «كورالي دولوم» في كتابها الصادر هذه الأيام تحت عنوان: «أوروبا، الولايات غير المتحدة»، الذي تثير فيه ما تعتبره مشكلات بنيوية تضع المشروع الأوروبي الآن على المحك، مبرزة في البداية أن الاتحاد الأوروبي إنما تأسس أصلاً على فكرة جذابة وجميلة وإن كانت فضفاضة أيضاً في الوقت نفسه هي: إيجاد سلام دائم بين دول القارة التي مزقتها الحروب العالمية وأنهكت اقتصاداتها ونسيجها السكاني والسياسي خلال النصف الأول من القرن العشرين. ومع أن هذا هدف كبير وغاية رفيعة إلا أنه أيضاً ليس كافياً وحده لإنجاح مشروع تكاملي سياسي- اقتصادي بين دول لكل منها خصوصياتها السيادية والوطنية. ومع هذه التعقيدات ظل المشروع الأوروبي سائراً بخطوات حثيثة، فأوجد مؤسسات تكنوقراطية كثيرة، مكلفة بتسيير وتدبير شؤونه المشتركة. وبهذه الطريقة تمت صناعة أجهزة أحياناً دون الانتهاء من تحديد الأدوار المنوطة بها في المستقبل بالقدر الكافي. وبسرعة بدا وكأن بعض الأجهزة التكنوقراطية، أو لنقل البيروقراطية، تتجاوز الدول الوطنية ودساتيرها ونظمها الخاصة. واعتبر المنتقدون للأجهزة الأوروبية أن مهمتها التنظيمية التنسيقية هي الواقع نوع من ممارسة الإرغام والإكراه على الدول الأعضاء. وبتعديها على صلاحيات الدول وتدخلها في بعض شؤونها الوطنية، وفرت الأجهزة الأوروبية دون أن تشعر مشجباً لبعض الحكومات تعلق عليه أسباب إخفاقاتها ومشكلاتها، لتحمل المسؤولية عن كل ذلك لبروكسل أو فرانكفورت، وصولاً في الفترة الأخيرة إلى برلين. ويوجه هنا المنتقدون لآليات العمل الأوروبي المشترك أصابع الاتهام خاصة إلى ألمانيا، ليس فقط لكونها قد عرفت كيف تأخذ مسافة أمان مالي واقتصادي من مشكلات الجيران والشركاء الأوروبيين، وإنما أيضاً لأن برلين توظف مؤسسات وأجهزة الاتحاد لفرض وجهات نظرها وسياساتها ومصالحها الوطنية، بكيفية حولت بها المؤسسات الأوروبية إلى أبرز حليف لها في الواقع. وهنا توجه الكاتبة بين دفتي كتابها، الواقع في 224 صفحة، انتقادات حادة لسياسات بعض الدول الأوروبية الأخرى إضافة إلى ألمانيا التي تمارس من وجهة نظرها نوعاً من إملاء السياسات على المؤسسات الأوروبية، ومن ورائها على الدول الأعضاء في الاتحاد، وخاصة منها تلك التي ظلت هي الأكثر احتياجاً من الناحية المالية خلال سنوات الأزمة النقدية الأخيرة. ومع تفاقم الأزمات الاقتصادية فقد الجمهور الأوروبي العريض حماسه للاتحاد، وتقلصت أيضاً ثقته في العمل السياسي، حيث أصبح انفصال العمل السياسي عن الشعبي هو القاعدة في مختلف أنحاء القارة. ولم يعد مستساغاً بالنسبة للشعوب الأوروبية أن يطلب منها تجرع ثمن هذا «السلام» والاتحاد القاري مخصوماً من قدراتها الشرائية وظروف معيشتها، من خلال سياسات لا تنجح في شيء مثل نجاحها في تفقير، ونزع سيادة، شعوب الدول الأوروبية. وبفعل التداعيات السلبية في مجملها المترتبة على الأزمات الاقتصادية، وتحولها مع مرور الوقت إلى أزمات اجتماعية من خلال تفشي البطالة والفقر وتراجع معدلات الدخل ومستويات المعيشة وتقلص مباهج دولة الرفاه، وجدت شرائح واسعة من الشعوب الأوروبية نفسها تزداد ميلاً باتجاه دعم طيف جديد من الأحزاب غير الواقعة أصلاً في هوى المشروع الأوروبي كله، ولا تضع اتحاد «السلام» هذا على رأس أمانيها وغاياتها البعيدة. وهو ما يعني، استطراداً، احتمال تفاقم مد الأحزاب والحركات الوطنية اليمينية، الانعزالية، وسير التيار في المستقبل باتجاه معاكس للمشروع الاتحادي. والخشية أن يكون الموعد بات قريباً مع ولايات غير متحدة أوروبية، لتعود القارة في النهاية إلى أيام افتراقها السابقة، وتدرك نهاية اتحادها المنشود. حسن ولد المختار ----- الكتاب: أوروبا، الولايات غير المتحدة المؤلف: كورالي دولوم الناشر: ميشالون تاريخ النشر: 2014