في وقت يكثر فيه الحديث عن حل الدولتين كتسوية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي وكأرضية مثالية تمهد الطريق لبلوغ سلام طال انتظاره، تظهر بين الفينة والأخرى أطروحات مختلفة تروج لحل الدولة الواحدة التي تضم الفلسطينيين واليهود معاً ضمن كيان واحد، لكن الاقتراح الذي تطرحه الكاتبة كارولين تاسيل في كتابها «الحل الإسرائيلي.. خطة الدولة الواحدة لتحقيق السلام في الشرق الأوسط»، لا يشبه ما قد يتبادر إلى الذهن من صورة وردية لدولة تقام على كامل مساحة فلسطين وتضم شعبين يعيشان في تلاحم وسلام، ذلك أن ما تطرحه الكاتبة هو سيادة إسرائيلية على الضفة الغربية دوناً عن قطاع غزة. فبدلا من إبقاء السيطرة العسكرية الإسرائيلية على نطاق واسع من مدن وبلدات الضفة واقتسام الإدارة مع السلطة الفلسطينية، سيطبق القانون الإسرائيلي على كل الأراضي، مع ما سيتبع ذلك من حل للسلطة الفلسطينية التي لن يعود لوجودها من مبرر! وبموجب هذه الخطة سيحظى الفلسطينيون بحق الإقامة الدائمة، مع فتح إمكانية الحصول على الجنسية وإدماجهم في الحياة السياسية، ثم تمتد أوجه الاستفادة إلى الجانب الاقتصادي والتعليمي والصحي وباقي الخدمات التي توفرها دولة إسرائيل لمواطنيها، هذا ناهيك، تقول الكاتبة، عن حرية التنقل، بحيث يمكن للفلسطينيين الانتقال والعمل في أي مكان يريدونه داخل «إسرائيل». وتبني المؤلفة اقتراحها هذا على مصلحة إسرائيل أولا، وعلى تفنيد ما تعتبره تصورات مغلوطة، خاصة ما يقال عن القنبلة الديموغرافية الموقوتة التي ترى الكاتبة أنه لا أساس لها من الصحة، فخلافاً لما يقال حول تزايد سكاني كبير للفلسطينيين واحتمال اجتياح العرب لليهود، تشير المؤلفة واستناداً إلى أن نسبة الخصوبة في إسرائيل ارتفعت ارتفاعاً ملحوظاً على مدى السنوات الماضية، بل تجاوزت نسبة الخصوبة لدى العرب في الضفة الغربية لتصل 3.04 مقابل 2.91 للنساء العربيات، هذا ناهيك تقول المؤلفة، عن توافد اليهود من كل أصقاع الأرض إلى فلسطين، فيما لا يفوت الفلسطينيون أي فرصة للهجرة خارج فلسطين. وتضيف المؤلفة أن سجل البحث عن حل على أساس الدولتين أثبت فشله طيلة العقود السابقة. فمنذ قرار التقسيم عام 1947 ومروراً بالمشاريع الدبلوماسية الأخرى، فشلت المحاولات جميعاً في بلورة حل واقعي. وبالنظر إلى المعطيات الحالية ليس أمام إسرائيل سوى ثلاثة خيارات، إما الإبقاء على السيطرة العسكرية الإسرائيلية باعتبارها السلطة الوحيدة الحاكمة في الضفة، لكن هذا الحل، تقول المؤلفة، غير قابل للاستمرار، ذلك أنه من حق العرب واليهود معاً أن يتوقوا إلى حكم مدني وديمقراطي. وفي الخيار الثاني سيكون على إسرائيل الحفاظ على إدارة مزدوجة تزاوج بين الحكومة العسكرية التابعة لإسرائيل والإدارة المدنية التي تشرف عليها السلطة الفلسطينية، إلا أن هذا الخيار أثبت طيلة السنوات الماضية عجزه عن إفراز حل الدولتين، وليس من المتوقع أن ينجح في المرات القادمة، ليبقى الحل الأخير هو إدماج الضفة الغربية في إسرائيل. وتبرر المؤلفة هذا الطرح استناداً إلى بعض الأسباب الاستراتيجية، فهي تقول إن اندماج الفلسطينيين في دولة إسرائيل يفتح أمامهم باب التحرر السياسي لأن منظمة التحرير الفلسطينية التي تتحدث باسمهم ليست منظمة ديمقراطية ولا تتيح إمكانية المساهمة الفعلية في بناء مؤسسات ديمقراطية، بينما سيجد الفلسطينيون أنفسهم تحت السلطة الإسرائيلية في ظل ديمقراطية ليبرالية تحترم حقوق المشاركة السياسية، وهنا سيكون على الولايات المتحدة أن تدعم الخيار الجديد، بيد أن هذا الطرح ليس بدون مشاكل، وهو ما تعترف به الكاتبة، فالتدفق المفاجئ لعدد كبير من الفلسطينيين على إسرائيل سيشكل عبئاً على الخدمات التي تقدمها الدولة، إلا أنه لن يشكل التهديد الديموغرافي الذي ثبت خطؤه، على حد زعمها. لكن ماذا عن ردود الفعل الدولية والإقليمية؟ تجيب الكاتبة بأن الظروف مناسبة اليوم لتنفيذ خيار الدولة الواحدة بمبادرة إسرائيلية والذي يستثني قطاع غزة، فداخلياً لن تقوى السلطة الفلسطينية على مقاومة الخيار لأنها ببساطة لا تملك الوسائل، وحتى الدعوات المطالبة بمقاطعة إسرائيل لن يُكتب لها النجاح ما دامت لم تحقق الكثير. وفيما يتعلق بالبلدان الإقليمية فهي في حالة ضعف شديد نتيجة الاضطرابات التي يمور بها الشرق الأوسط. وعندما تجد الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي نفسيهما أمام الأمر الواقع، فلا مناص من القبول به والتعايش معه، علماً بأن حل الدولة الواحدة، تقول الكاتبة، ليست سيئاً بل هو معادلة تحقق مكاسب للجميع، سواء الفلسطينيين أم اليهود أو الأميركيين. زهير الكساب ------- الكتاب: الحل الإسرائيلي.. خطة الدولة الواحدة لتحقيق السلام في الشرق الأوسط المؤلفة: كارولين تاسيل الناشر: كراون فورم تاريخ النشر: 2014