تعتبر الخدمة العامة من بين أنبل المهن التي يسعى إليها أفراد ممن يؤثرون على أنفسهم ويتغلبون على الطمع والذات والمكاسب الشخصية الأخرى، مكرسين أنفسهم للدفاع عن الديمقراطية والخير، وعند الضرورة يسحقون بلا هوادة السياسيين الخونة والمنشقين والأعداء. وفي كتابهما الجديد «هيلاري رودهام كلينتون»، يقدم الصحفيان جونثان ألان وآمي بارنيز سرداً مفصلاً لفترة عمل هيلاري كلينتون كوزيرة للخارجية الأميركية. ويكشف الصحفيان طبقات التآمر التي تنشأ عندما تخسر سياسية شهيرة متزوجة من سياسي شهير لصالح سياسي آخر، ثم تمضي السياسية للعمل مع من خسرت لصالحه. ويبدأ المشهد بعد وقت ليس بالطويل من خسارة كلينتون المدوية في المنافسات التمهيدية على الانتخابات الرئاسية في عام 2008 لصالح باراك أوباما، وفي مكتب هادئ بمقر حملتها الانتخابية المغلق في آرلينجتون، ينهي اثنان من الموظفين الموالين لها قائمة بأسماء وخصائص الأصدقاء والخونة. وتم تصنيف الولاء والخيانة على مقياس مكون من سبع درجات، حيث تم تخصيص الدرجة الأولى لأعضاء الكونجرس الذين التزموا مع كلينتون في الضراء والسراء، بينما كانت الدرجة السابعة من نصيب الذين أظهروا خيانة لا تغتفر، وكثير منهم كانوا أعضاء ديمقراطيين في الكونجرس كان من المتوقع أن يختاروها لكنهم نقضوا عهدهم، وآخرين أسدت لهم كلينتون معروفاً أو جمعت أموالا لحملاتهم الانتخابية لكنهم تخلوا عنها. وتظهر كلمة «الولاء» المعقدة والثرية كترنيمة في أنحاء الكتاب، إذ كان «الولاء» سبباً في قبول هيلاري كلينتون كوزيرة للخارجية. وعندما طلب منها الرئيس أوباما تولي المنصب رفضت مرات كثيرة لدرجة جعلت أوباما يتجنب مكالماتها لتفادي رفضها النهائي، لكنها غيّرت رأيها متذكرةً أنها لو كانت قد فازت في الانتخابات، لأرادت أن يستجيب لها إذا احتاجت دعمه. ورغم ذلك، كان ولاء الموظفين من العاملين في حملتها الانتخابية ممن لم يخدموها دائماً بصورة جيدة، أحد أسباب خسارة كلينتون في المنافسات التمهيدية للانتخابات الرئاسية. ويشير المؤلفان إلى أن الولاء شيء يتوقعه الزوجان كلينتون دوماً من مؤيديهما وزملائهما. وكما هي الحال في الحياة الواقعية، هناك أيضاً أماكن في الكتاب يَحجُب فيها بيل كلينتون، من خلال ضخامة شخصيته وشغفه الشديد بالحملات الانتخابية، قصةَ زوجته. وأثناء الفجوة التي نشأت عن خسارتها في المنافسات التمهيدية، أصبح بيل كلينتون المسؤول عن الشبكة السياسية للأسرة وتعزيزها، ليقوم أثناء ذلك بمهمة جريئة مزدوجة. وفي فترات التجديد النصفي في الكونجرس، ومرة أخرى في انتخابات عام 2012 الرئاسية، كان بيل كلينتون يظهر في الحملات الانتخابية للمرشحين الذين دعموا هيلاري، كما دعم بشكل كبير حملة أوباما نفسه ودافع عن جهوده في إصلاح الاقتصاد، بينما واصل معاقبة هؤلاء الذين تخلوا عن هيلاري في عام 2008، رافضاً مساعدتهم وفي بعض الأحيان كان يساعد خصومهم في المنافسات. ورغم أن هذان الجهدان يبدوان متناقضين، فإنهما كانا في خدمة مسيرة هيلاري السياسية، فكانت إعادة انتخاب أوباما في صالحها، وأيضاً أن يفهم الناس كيف يمكن أن تكون هي وزوجها خصمين وأهمية كسبهما كحليفين. وبتلك الطريقة، يسرد الكتاب عدداً من القصص، وخصوصاً حكاية غزو هيلاري كلينتون للدبلوماسية العالمية وإدارة وزارة بيروقراطية ضخمة، إلى جانب قصة نهوضها من عقبات وأخطاء عام 2008. ويصف الكتاب قيادتها لوزارة الخارجية بأنها كانت قوية لكنها لم تكن مبهرة، لافتين إلى أنها نجحت في تعزيز الدبلوماسية والتنمية مع تحقيق نتائج حقيقية غير أنها لم تكن عالية المستوى، إذ لم تتوصل إلى اتفاق سلام في الشرق الأوسط. وأضافا: «رغم ذلك، نجحت في تعزيز وضع وزارة الخارجية التي كانت قد فقدت نفوذها لصالح وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الدفاع خلال حربي العراق وأفغانستان على مشهد السياسة الخارجية». وعملت كلينتون على الفوز بتأييد موظفيها والمحاربة من أجل زيادة الموازنة، فبثت طاقة قوية وأظهرت فهماً كبيراً لطبقات السلطة في واشنطن. وبالطبع تأثرت إنجازاتها الدبلوماسية بمأساة بنغازي، حيث قتل السفير كريستوفر ستيفنز وثلاثة أميركيين آخرين، ويختتم الكتاب قائلا إن اللوم لا يقع على عاتق هيلاري بصورة مباشرة بسبب غياب الأمن المناسب في المجمع الدبلوماسي، غير أن حقيقة تواجد ستيفنز هناك كانت ترتكز في المقاوم الأول على فلسفة هيلاري التي تنطوي على أن الولايات المتحدة يجب أن يكون لها تواجد حتى في الأماكن الخطرة. وفي غضون ذلك، لا تظهر شخصية هيلاري بوضوح في الكتاب، ربما لأنها لم تتح أمام المؤلفين معرفة ذلك، لكن تقييم فترة عملها في المنصب يبدو منصفاً. ------- وائل بدران الكتاب: هيلاري رودهام كلينتون المؤلف: جونثان ألان وآمي بارنيز الناشر: كراون تاريخ النشر: 2014