ثمة أسئلة جوهرية تواجه الولايات المتحدة: هل رؤيتنا للمستقبل هي «صنع في أميركا»؟ وهل تريد واشنطن أن تستعيد القيمة المضافة إلى اقتصادها الذي يرتكز على التصنيع أم ستصبح دولة تعتمد على بيع النفط؟ وهل ستنتج الولايات المتحدة السيارات والوقود اللازم لتشغيلها، أم ستواصل استيراد السيارات والوقود المكرر في الخارج رغم أنها تصدر النفط والغاز الطبيعي المحلي؟ يرى قطاع النفط الأميركي صادرات الغاز الطبيعي وخام النفط محركاً مزدوجاً يدر أرباحاً ضخمة، وبفضل تلاقي وفرة الوقود المحلي وشراهة الطمع داخل القطاع، يبدو أننا في النهاية سنجري حواراً وطنياً لطالما كنا في حاجة إليه بشأن دور الطاقة في مستقبلنا الاقتصادي. ومنذ ستة أشهر مضت، عندما حذرت في مقال رأي نشرته وكالة أنباء «بلومبيرج» الإخبارية من أن قطاع النفط يسعى جاهداً إلى الاستفادة من أعلى ارتفاع لأسعار الخام في أميركا الشمالية عن طريق رفع الحظر الفيدرالي على صادرات النفط، ظنّ البعض أن ذلك أمر «لا يمكن التفكير فيه». والآن، أشار كل من عضو مجلس الشيوخ عن ولاية ألاسكا، ليزا موركوسكي، وهي أيضاً عضو لجنة الطاقة والموارد الطبيعية في المجلس، ووزير الطاقة إيرنست مونيز، وغرفة التجارة الأميركية، إلى أنهم لم يعودوا يعتقدون أن الولايات المتحدة يجب أن تبقي على حظر تصدير الغاز الطبيعي وخام النفط المفروض منذ السبعينيات. وخلال الأشهر الأخيرة، اعتمدت وزارة الطاقة الأميركية على استحياء تصريح تصدير جديد للغاز الطبيعي المسال كل ستة أسابيع، ورداً على ذلك، أعاق عضو مجلس الشيوخ الديمقراطي عن ولاية ميتشيجان، ديبي ستابينو، مرشحة أوباما لشغل حقيبة الطاقة في الإدارة الأميركية، لأنها تعتبر أن هذه التصاريح الأوتوماتيكية متهورة.. ومن هنا تبدأ المعركة. وسيكون لتصدير الخام الأميركي تأثيراً، ليس فقط على أسعار الغاز وإنما كذلك على قطاع الشحن الأميركي الذي يواجه هو أيضاً الكثير من المخاطر، لاسيما أنه إذا كانت الصادرات يمكن شحنها في ناقلات ليبيرية رخيصة، مثلما يزعم قطاع النفط، فليس من المنصف طلب شحن الخام من الخليج الأميركي إلى الساحل الشرقي، ومن ثم استخدام البحرية التجارية الأميركية باهظة التكلفة. ولا يبدو اشتراط تحميل كافة شحنات النفط الأميركية على سفن أميركية تقودها أطقم مواطنة خياراً لدى الحكومة في هذه الآونة. وقد فسخت بعض شركات التكرير المستقلة، التي ترغب في شراء خام النفط الأميركي الرخيص لتكريره، عقدها مع شركة «بيج أويل» المؤيدة لرفع الحظر، لأن هذه الشركات تعارض أجندة التصدير. وينضم لهذه الشركات في معارضة التصدير منتجو الصلب والألمنيوم وشركات الكيماويات ومرافق الكهرباء وشركات تصنيع السيارات والشاحنات واتحادات البحرية وشركات الوقود الحيوي والتكنولوجيا النظيفة والولايات في الشمال الشرقي والبحيرات العظمى وغرب الباسيفيك والأسر التي تعتمد على التدفئة بالغاز والمدافعين عن البيئة القلقين من تأثير استخراج النفط والغاز. وإلى جانب شركات استخراج النفط والغاز، فمن الجهات التي تؤيد التصدير؛ الشركات متعددة الجنسيات مثل إكسون موبيل وغرفة التجارة (بسبب دفاعها عن كافة الشركات الأميركية) وولايات ألاسكا وشمال داكوتا ولويزانا وتكساس والمنافسين للتصنيع الأميركي في الخارج. ويثير الانقسام بين هذين الفريقين المتشاكسين مخاوف أكثر من مجرد أسعار البنزين في إحدى المحطات الجانبية، إذ إن «بيج أويل» وحلفاءها يعتقدون أن رفع الحظر سيجعل من الولايات المتحدة لاعباً رئيساً يساعد في تحديد أسعار النفط والغاز العالمية التي تحتكرها «منظمة أوبك». أما المناؤون لاستراتيجية التصدير فيتجهون صوب رؤية الولايات المتحدة كقوة تصنيع تعتمد على الطبقة المتوسطة مثل ألمانيا، ولكن بتكاليف وقود أقل. ويمكن للولايات المتحدة أن ترى هاتين الرؤيتين المتنافستين بمقارنتهما مع ما يحدث في جارتها الشمالية كندا، لاسيما أن ارتفاع أسعار النفط العالمية جعل رمال القار الكندية استثماراً جاذباً، فهل استفاد الكنديون من ذلك؟ والحقيقة أن إقليم ألبرتا يستفيد من إنتاج رمال القار، لكن بقية كندا تخسر بشكل كبير، فرغم أن كندا من كبار مصدري النفط، فإن أسعار البنزين في مدينة ساسكاتشوان المجاورة لرمال القار، تقدر بخمسة دولارات للجالون الواحد، حتى بعد تعديلها حسب المعدلات الضريبية المرتفعة على الغاز الكندي. وفي عام 2000، كانت كندا تتمتع باقتصاد متوازن بسبب الميزان التجاري الجيد، إذ إن شركات الطاقة كان لديها فائض تجاري قدره 26 مليار دولار، وهو ما تلاءم تقريباً مع بقية الاقتصاد الكندي. وبحلول عام 2013، تضاعف فائض قطاع النفط إلى 63 مليار دولار، لكن باقي الاقتصاد الكندي شهد انهياراً، إذ عانى من عجز في الميزان التجاري بلغ أكثر من سبعين مليار دولار، ومن ثم عانت كندا بأسرها من عجز في الميزان التجاري. ويعود ذلك إلى أن صادرات النفط الضخمة دفعت قيمة الدولار الكندي للصعود، ما جعل من المستحيل على قطاع التصنيع التنافس عالمياً. ومن الممكن توقع حدوث ذلك في أميركا إذا ما اختارت تصدير النفط. وحالياً تسعى تسع دول أوروبية إلى دعم لوبي قطاع النفط والغاز الأميركي من أجل الضغط على الحكومة الفيدرالية كي تسمح بتصدير الغاز الطبيعي أيضاً. ومن المفهوم أن شركات التصنيع الأجنبية تود الحصول على وقود أميركي رخيص يساعدها في تقليص منتجات الحديد الصلب والسيارات والكيماويات الأميركية، غير أن أياً من العامل البسيط والشركات الأميركية لن يستفيدوا من ذلك. وعليه، دعونا نحافظ على نفطنا وغازنا على الأراضي الأميركية دعماً للاقتصاد. ------ كارل بوب محلل أميركي مختص بشؤون النفط والغاز ------ ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»