عادت قضية الاقتراحات المطروحة، بضرورة تفعيل التدخل الحكومي ضمن جهود مكافحة وباء السمنة على المستويين الوطني والدولي، للظهور على السطح مرة أخرى، مع تقديم كبيرة الأطباء البريطانيين قبل يومين، للشهادة أمام لجنة الصحة في مجلس العموم، لمّحت فيها إلى احتمال اللجوء لفرض ضريبة على السكريات الظاهرة أو المخفية في الأطعمة، إذا ما كان للشعب البريطاني أن ينجح في تحقيق تقدم يذكر على صعيد خفض وزن أفراده. وتأتي هذه الشهادة، وما تضمنته من اقتراحات وتلميحات، بعد أقل من أسبوع من اقتراح سيدة أميركا الأولى "ميشيل أوباما"، بوضع معايير وقواعد جديدة للبيانات الغذائية التي يتم لصقها على عبوات الأغذية، من حيث نوعية المحتوى ومقدار السعرات الحرارية. ويأتي هذا الحراك السياسي- الصحي على جانبي المحيط الأطلنطي، في وقت بلغت فيه معدلات زيادة الوزن والسمنة المفرطة مستويات قياسية، على المستوى الدولي، وداخل حدود غالبية الدول، سواء الصناعية الغنية منها، أو الفقيرة النامية. فقبل وقت ليس بالبعيد، وحتى بدايات القرن العشرين، كانت السمنة المفرطة نادرة، إلا أنه مع حلول نهاية القرن أصبح زيادة الوزن والسمنة المفرطة واسعتي الانتشار، لدرجة قيام منظمة الصحة العالمية عام 1997 بالإعلان أن السمنة العالمية قد وصلت إلى حد الوباء. وبحلول عام 2008 قدرت المنظمة وجود أكثر من 500 مليون شخص يعانون من السمنة المفرطة، أو ما يعادل 10 بالمئة من أفراد الجنس البشري، مع التنويه بأن جزءاً لا يستهان به من هؤلاء هم من الأطفال، حتى من هم دون سن الخامسة. وبالتبعية، أدى هذا الوضع، المتزايد باستمرار، إلى شحذ الجهود الرامية لخفض المتناول من السعرات الحرارية، والتي وجهت غالبيتها أصابع الاتهام خلال العقود القليلة الماضية إلى محتوى الغذاء من الدهون، كون الجرام الواحد من الدهون يحتوي على تسعة سعرات حرارية، في الوقت الذي يحتوي في الجرام الواحد من البروتينات أو السكريات على أربعة سعرات فقط. وهو ما دفع بقطاع صناعة الغذاء، إلى خفض محتوى الأغذية المصنعة والمعلبة من الدهون، واستبدالها بالسكريات، للحفاظ على الوزن، وتحسين الطعم، واستبدال ما فقد من نكهة بعد خفض الدهون. ولكن مع فشل هذا الاتجاه في تحقيق الهدف المرجو منه، واستمرار انحدار- أو بالأحرى ارتفاع- مشكلة متوسط وزن الأفراد في العديد من المجتمعات، عاد البعض لمراجعة العديد من المسلمات والبديهيات المتداولة في علوم التغذية، ليكتشفوا أن الدهون ربما تكون مظلومة، وأن المتهم الرئيسي هو السكريات بأنواعها المختلفة. ويعتمد هذا المنطق الجديد على عدة حقائق، منها أن الدهون رغم احتوائها على حجم أكبر من السعرات الحرارية في الجرام الواحد، إلا أن تناولها ينشط الميكانيزمات البيولوجية المرتبطة بالإحساس بالشبع، وهو ما لا يتحقق مع السكريات. بمعنى أن تناول كمية معينة من الدهون، ورغم احتواء كل جرام منها على مقدار أكبر من السعرات الحرارية، يؤدي لشعور الشخص بالشبع، والتوقف عن تناول المزيد. وهو ما لا يتحقق مع السكريات، مما يدفع الشخص لتناول المزيد والمزيد منها، ليصبح المقدار النهائي من السعرات الحرارية من تناول السكريات، أكبر مما يتناول مع الدهون للوصول إلى نفس الحالة من الشبع والامتلاء. الجزء الثاني من العلاقة بين الدهون والسكريات والعمليات الغذائية، يرتبط بكون الكثير من الفيتامينات التي نتناولها من خلال الخضروات والفواكه مثلا، تحتاج إلى الدهون كي يتمكن الجسم من امتصاصها والاستفادة منها. هذا في الوقت الذي لا تؤدي فيه السكريات أي دور في امتصاص الفيتامينات، بل على العكس بإحلالها محل الدهون، تتراجع قدرة الجسم على امتصاص الفيتامينات. هذا لا يعني أن تناول كميات غير محدودة من الدهون، لن يؤدي إلى زيادة الوزن والسمنة المفرطة، وإنما يشير فقط إلى أن الأغذية المحتوية على الدهون، هي أفضل من ناحية القيمة الغذائية، من تلك المتخمة بالسكريات، مع ضرورة عدم الإفراط في جميع الحالات. وأخيراً، تتزايد الشكوك حول احتمال أن يكون للسكريات تأثير نفسي أو عصبي، قد يوصف بالإدمان. بمعنى أن تكرار تناول الشخص للسكريات، لا يكون لحاجة غذائية، أو للإحساس بالشبع، وإنما للحصول على التأثير العصبي المترافق بها. ويمكن تلخيص الآثار الصحية للسكر في الآتي: تسوس الأسنان، وزيادة الوزن أو السمنة، ارتفاع ضغط الدم، الإصابة بداء السكري، ومرض النقرس. كما أن زيادة الوزن والسمنة المفرطة الناتجين عن الإفراط في تناول السكريات، يؤديان بذاتهما إلى طائفة متنوعة من الأمراض والعلل، بما في ذلك بعض الأمراض السرطانية، وليس من الغريب تعدد وتنوع المضاعفات الصحية الناتجة عن الإفراط في تناول السكريات، كون هذا النوع من الأطعمة لم يكن يشكل أبداً جزءاً كبيراً من غذاء الإنسان عبر العصور، بل ظل يعتبر من الرفاهيات باهظة الثمن حتى القرن الثامن عشر. ولذا ربما كانت العمليات الحيوية والفسيولوجية داخل جسم الإنسان، ليست مهيأة أساساً لمثل هذا الفيضان اليومي من السكريات، ضمن غذاء إنسان العصر الحديث.