بلغ مجموع الفضائيات العربية العام المنصرم 1320 قناة بين حكومية وخاصة. ومن الأرقام المثيرة أن هنالك 146 قناة رياضية، 125 قناة دينية، و66 قناة إخبارية. والذي يستحضر الأرقام السابقة – قبل 5 سنوات مثلاً – يجد أن العدد كان نصف عدد اليوم من هذه القنوات! وبالطبع عند نشر هذا الكلام سيكون الرقم قد تغيّر. لسنا هنا بصدد تحليل ما يُبث من هذه الفضائيات، والتي يُستخدم بعضها للتحليل وأيضاً للتضليل، وللتنوير وأيضاً للتزوير، وبعضها يبث الأيديولوجيا الموغلة في التعصب، وبعضها يبث لنا الأغاني التي تزيل الهم من على القلب. لكن نود الإشارة إلى بعض المضامين التي تخلق الفوضى في السماء العربية. فبعض الفضائيات السياسية، وسوقها رائجة هذه الأيام، ساهمت في الفوضى التي نقصدها، باستخدامها أساليب الإثارة التي تُخرج البرنامج عن وقاره وأهدافه، وتُهيئ المتلقي لتقبّل الكلمات الخارجة عن الذوق والأخلاق، بل والاشتباك بالأيدي! وبعضها يؤكد الكذب ويُبرره ويجعله يقيناً في ذهن المتلقي، وذلك بتسفيه آراء الخصم، وحجب تلك الآراء، وإبراز الرأي بصورة أحادية، ناهيك عن «تلقيم» الضيف الجوابَ بصورة مكشوفة، وهذا النموذج ابتُليت به الدول التي نُكبت بموضوع «الربيع العربي». وبعضها يعيش منذ الستينيات على وتيرة واحدة، وهي التمجيد والتفخيم والمغالاة في مدح «المنجزات» دون التطرق إلى الهنات أو الأخطاء في المسيرة! وهذا النوع من التمسك بـ«تقاليد» البث ورتابته ورجعيته يأتي خوفاً من غضب السلطة، لأن المخاطرة في الإعلام غير مأمونة العواقب، خصوصاً لدى البث الرسمي. وبعضها ديني متعصب ومفرّق لشمل الأمة، ومُجاهر بالعداء للطرف الآخر وإن كان مسلماً؟ ومتمسك إلى حد كبير بالخرافة التاريخية و«عبادة» النص. وهذا من أخطر أنواع البث الذي يُخرج الدين عن مقاصدة السامية، ويؤجج المشاعر ويُذكي الكراهية بين أبناء البلد الواحد، وبعضه يتحدث عن قضايا حدثت قبل 15 قرناً، ويستحضر شواهد طواها الزمن، بل ويعذّب نفسه باستحضارها، تاركاً المشاكل الاجتماعية والقيمية التي تدور حوله، واضعاً نصب عينيه تسفيه الرأي الآخر والحط من شأنه. وبرأينا أن هذا النوع من الفضائيات يجب أن يوقف وبسرعة، لأنه بث سلبي وغير حضاري. وهذا النوع من الفضائيات ينفّر المتلقي من المتابعة ويعطي فكرة سلبية عن الدين الحنيف. وبعضها فني مسالم يُضفي البهجة على النفوس، ويريح البال من عناء اليوم وتوتر الأعصاب، ولايوجد عليه خلاف من أي طرف، خصوصاً إن تم له الإعداد الجيد، وتوافرت الطواقم المؤهلة، ولكن بعض هذه الفضائيات تنقصه المهنية، وتواضع الإعداد والتقديم، كما يغلب على هذه الفئة عنصر التقليد أو الاستنساخ عن برامج أجنبية، وبذلك يتم تغيّب الإبداع، ولكن في العموم فمثل هذه البرامج محببة ولا تأتي بالصداع للمحطة. وبعضها لا تفهم ما هو القصد منها؟ ذلك أنك تشاهد حفلات زواج، مع خلفية لأغنية أو قصيدة – مع تقديرنا للتراث، ولا يوجد في بعض هذه الفضائيات مذيعون ولا معدون، بل يتم بث شريط مسجل على مدار الساعة، لذلك لا نفهم ما هو الهدف من إطلاق مثل هذه الفضائيات. وبعضها يأتيك بعلوم الطبيعة والحيوانات والبحار مثل (National Geographic)، والتي تتسم بتقنية عالية الجودة، وتقديم مشاهد غاية في الحداثة والغرابة والخطورة. وهذه الفضائيات من الوسائل المحببة لجمهور واسع من المشاهدين، كما أنها أيضاً لا تجلب الصداع لا للمشاهد ولا للمحطة. وبعضها رياضي يرضي جمهور الرياضة – ونحن ندرك أن حجم الشباب العربي ضمن سكان العالم العربي يتجاوز 60 في المئة - كما أن كمية الصرف على مثل هذه القنوات كبير، وذلك لدفع حقوق الفعاليات الرياضية العالمية والإقليمية، وعمليات النقل عبر الأقمار الصناعية ورواتب الموظفين «المجزية» ومكافآت النجوم من الضيوف، ما يجعل هذه الفضائيات في المقدمة. ورغم مشاهد الإثارة – في بعض هذه المحطات – إلا أنها إثارة لفظية محببة لا تصل إلى مستوى الكلمات واللكمات والتشابك بالأيدي أو رمي الآخر بكأس الماء، كما يحدث في المحطات الأخرى. وبعض هذه المحطات رغم تشفيرها، إلا أنها محبوبة ويُقبل عليها جمهور الرياضيين. وبعضها تخصصي يعنى بالرشاقة والصحة والطبخ والأناقة، وهذا مدعوم من قبل شركات إنتاج الأدوية والمستحضرات والأطعمة والمواد الغذائية، وهو مسالم ولا يوتر الأعصاب ولا يجلب الصداع. وبعضها متخصص في بث الأفلام والمسلسلات العربية والأجنبية (الهندية – التركية – الصينية – الأميركية ) المدبلجة، ولكن يؤخذ على تلك الدبلجة عدم مواءمتها لواقع الصورة، فمثلاً تشاهد ممثلاً أميركياً أسود، وهو بالطبع صاحب لهجة معينة، لكن صوت الدوبلاج يأتي من ممثل سوري هادئ ولطيف، لا يتناسب مع الشخصية، وينطبق ذلك على الممثل الصيني أو التركي. وبرأينا لو تمت عملية الترجمة المكتوبة، لكان الأمر أكثر إقناعاً. ولكن في العموم فإن بعض محطات الأفلام الأجنبية، يأتي بالمثير والجديد والمستوى الفني المقنع، وتشعر بأن بينه وبين الإنتاج العربي مسافة قرن من الزمان. وبعضها إعلاني محض، ويفتقد أدنى ميزات القناة الفضائية، وهو الذي يعتمد على أشرطة المتصلين وكلماتهم مع وجود مذيعة غير مهندمة، داخل كادر ثابت وكاميراً ثابتة، وهي تبث الأحلام والأوهام للشباب للاشتراك في حل مسابقة أو سؤال متواضع، لقاء «إيهام» المتصل بالفوز بخمسين أو خمسة وسبعين ألف دولار. ومثل هذه الفضائيات لا يجب أن يستمر، لأنها في حقيقة الأمر تبيع الوهم، ولا تساهم في أية عملية تثقيفية أو ترفيهية. كما أن أسلوب المذيعة أو المذيع يعتمد على الصراع المباشر ودعوة المتصلين لمزيد من الاتصال على طريقة «الأوكازيون» المباشر ، أو ما نسميه في الخليج (سوق الليلام) ، كما أن الشاشة تزدحم بالأرقام والدعايات بحيث أنك بالكاد تشاهد ربع الشاشة! وبعضها لا تدرى إلى أين ذاهبة تلك المحطات. وهي المغرقة في المحلية، والتي تحفل بمقابلات حول الشأن المحلي، وبلهجات غير مفهومة، وتنقصها الصورة المتقنة، ونموذجها في البلدان العربية الأفريقية، والتي – لربما لواقع الحال- لا تتضمن أي إبهار أو تجديد، كما يغلب عليها صرامة السياسة. ومثل هذه الفضائيات أيضاً يوجد في بعض بلدان الخليج، هي وجود المذيعين الخمسة أو الستة، والذين يقدمون نموذجاً «إذاعياً» من خلال شاشة التلفزيون، ويقضي المُشاهد جل الوقت مع قفشات وابتسامات حول اتجاهات الشباب، وبصورة «مركبة» غير متقنة أو مفهومة لدى الجمهور. من خلال هذا الاستعراض (الانطباعي) غير التحليلي، نلاحظ أن السماء العربية «مُتخمة» بالفوضى، إذ كل من ملكَ أو استطاع تأجير قناة على القمر الصناعي يمكنه بث ما يشاء حسب ظروفة وثقافته وبيئته. وعلى فكرة لا يوجد مثل هذا الخلط العجيب من البث إلا في المنطقة العربية، صحيح توجد فضائيات للإثنيات في آسيا وأميركا، ولكن ليس بهذا التنوع والتخصص المثير الذي نلاحظه عندنا. وعليه يمكن القول : إن السماء العربية تحتاج إلى عملية « تنظيف» مما علق بها من «سوءات» الإعلام والصور الخارجة على تقاليد البث، ولن يتم ذلك إلا بوضع شروط محددة بوساطة مؤسسات البث على الأقمار الصناعية، بحيث يتم ضمان المهنية واشتراطات البث والمحافظة على ذوق وكرامة المتلقي.