يتصدر المشهد السياسي الأوكراني الإعلام العالمي منذ الأسبوع الماضي، ليس لأن أوكرانيا دولة مهمة في السياسة الدولية أو ذات تأثير في القضايا الاقتصادية، بل لأن طبيعة الصراع فيها ذات أبعاد محلية داخلية وإقليمية ذات تأثير دولي. وفي تفسير السياسة الدولية منذ أيام الاتحاد السوفييتي، فإن أوكرانيا هي «الحديقة الخلفية» لجمهورية روسيا الاتحادية التي ورثت الاتحاد السوفييتي، وبالتالي فإن المستهدف هنا بالحسابات السياسية ليس أوكرانيا، بل روسيا ومشروعها القائم على عودة «الدب» للعب دور في السياسة العالمية. وفي حين يحاول العالم زعزعة الموقف الروسي «المتصلب» في سوريا، الحديقة الخلفية الدولية لروسيا، والتفكير في كيفية إيجاد «ثغرة»، فوجئت موسكو بأن هناك من يتدخل في «الحديقة الخلفية» الإقليمية في أوكرانيا، مع أن الأزمة ليست جديدة وكانت قد اتخذت خطاً متصاعداً منذ نوفمبر الماضي بعدما رفض الرئيس الأوكراني المخلوع، فيكتور يانوكوفيتش، التوقيع على اتفاقية شراكة مع الغرب، ووافق على الحصول على المساعدة المالية الروسية والمُقدَّرة بـ15 مليار دولار لسد عجز الموازنة في بلاده. أحداث أوكرانيا أثارت نقاشات حول احتمالات عودة الحرب الباردة مرة ثانية بين الولايات المتحدة وروسيا؛ خاصة أن مشروع بوتين «القومي» لعودة بلاده كدولة عظمى يساهم في ترسيخ تلك الاحتمالات، ولكن ليس بالطرق التقليدية المعروفة كالتهديد النووي وتوازن القوى العسكرية، بل إن الكثير من المراقبين يؤكدون أن هناك دلائل وبراهين حول تشكل تلك الحرب، منها استمرار دعم النظام السوري، فلولا الدعم الروسي لكان نظام الأسد قد انتهى. كما أن رفض الغرب تدخل روسيا في أوضاع أوكرانيا مؤشر آخر على أن الغرب برغم إدراكه ما تعنيه أوكرانيا لروسيا، يحاول أن يفصلها عنه. «الحروب بالوكالة» كانت واحدة من أدوات الحرب الباردة في السابق، وليس هناك ما يمنع الاستفادة منها اليوم، وهي تعني عدم المواجهة العسكرية بين القوتين العظميين باعتبار أن مواجهتهما تعني دمار البشرية. حدثت مثل هذه الحرب بين الكوريتين عام 1953، وبين العراق وإيران. ويبدو أن هذا النوع من الحروب بدأ يعود، وإن بشكل تدريجي، خاصة في سوريا بين النظام والمعارضة. وإذا كان بوتين قد وضع لمسات لعودة روسيا إلى الساحة الدولية، وآخرها رسم صورة روسيا الجديدة في ألعاب سوتشي الشتوية، والتي أبهرت العالم، فإن ما تفعله الولايات المتحدة وأوروبا الغربية هو ألا تكون العودة «عظمى»، خوفاً من انتقام روسيا. المراقبون الدوليون مشغولون بما ستسفر عنه أحداث أوكرانيا؛ لأنها ساحة معركة بين الولايات المتحدة وروسيا؛ أي أن الأوضاع الداخلية في أوكرانيا ستكون لها تداعيات على الكثير من الملفات السياسية الدولية. وأكثر المتابعين لما ستسفر عنه تلك الأوضاع هو بشار الأسد؛ لأن روسيا إذا دخلت في مساومات سياسية فلن تقبل التنازل عن أوكرانيا. والموقف الروسي في أوكرانيا لا يحتمل أي وجهة نظر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن أن يتفاهم الغرب معه؟ الجميع يدرك أن بوتين الذي هدد بشنق الرئيس الجورجي الموالي للغرب، ميخائيل ساكاشفيلي، لن يسمح بخروج أوكرانيا من العباءة الروسية، ولديه الأسباب الموضوعية لذلك. والغرب، بما فيه أوروبا، لا يريد مساعدة أوكرانيا مالياً بدون البنك الدولي، في حين أن بوتين قدّم تلك المساعدة مباشرة، كما أن الاقتصاد الأوكراني يقوم على الاستثمارات الروسية وعلى رجال الأعمال الروس؛ وبالتالي، فإن الضغط من هذا الجانب سيكون الخطوة الأولى. وإضافة إلى ذلك، فإن الغرب- وخاصة ألمانيا وتركيا- يعتمد على الغاز الروسي الذي يمر من خلال الأراضي الأوكرانية، كما أن أوكرانيا نفسها تعتمد على الغاز الروسي في تشغيل مصانعها وحتى استخدامات مواطنيها، لذلك يدرك الغرب أنه حتى لو «صمت» بوتين وقدم وعوداً بعدم التدخل فإنه لن يقبل التنازل. فقد عُرف عن بوتين أنه «الرجل الحديدي» في تعامله مع الدول المجاورة التي تريد الذهاب للغرب، وهو لا يعير السياسة الدولية والأعراف الدبلوماسية اهتماماً. وكان هذا يحدث في عهد الرئيس الأميركي السابق بوش الابن، فقد تدخل بوتين عسكرياً في الشيشان ضد الحركات الإسلامية المتطرفة، كما دخلت قواته جورجيا إلى أن تراجعت الولايات المتحدة وأرسلت الرئيس الفرنسي ساركوزي للتوسط من أجل الخروج من جورجيا، ويومها أصابت ساكاشفيلي خيبة أمل كبيرة من الغرب. والخلفية الاستخباراتية لبوتين تدعم تلك الاحتمالات. بوتين لن يتراجع، وإذا صمت فإنه في حالة ذهول، وهو يدرك أن الغرب يسعى إلى توريطه في التدخل العسكري، لكن في ظل الإدارة الأيمركية والأوروبية الحالية التي لا ترغب في المواجهة، فإن التدخل الروسي، في حال سارت الأمور خلافاً لرغبة بوتين، سيكون آخر العلاج. إن هناك خوفاً حقيقياً من «الدب» الروسي، خاصة بعد العديد من المواقف السياسية على الساحة الدولية التي تؤكد تصلبه في التعامل مع الغرب. هذه الصورة تبين أن المقصود هو كبح جماح روسيا القادمة بقوة للسياسة الدولية. لكن بالنسبة لبوتين فإن تكرار سيناريو جورجيا وارد، وقد يكون أكثر حدة، لأن أوكرانيا آخر دولة في بلدان الطوق الروسي، وإلا فسيجد بوتين نفسه محاطاً بقواعد عسكرية غربية، وبالتالي فإن مشروعه السياسي لن يكون كما خطط له. الأزمة الأوكرانية إذن مرشحة للاستمرار والتوسع، وحلها لن يكون إلا بيد روسيا، لكن بوتين لن يستخدم كل الأوراق في وقت واحد، وحتى إذا حُلت المشكلة فلن تخلو من تنفيذ شروط بوتين، كأن توجد قواعد عسكرية فيها أو يتم ترشيح رئيس جديد غير موال للغرب.