تعود عبر وسائل الإعلام الأحاديث حول عودة الحرب الباردة. بعد الأزمة الأوكرانية الروسية، والهدوء الأميركي، وضعف إدارة أوباما، كل تلك العوامل أعادت تلك الأحاديث. غير أن الشروط الموضوعية لقيام حرب باردة ليست قائمة، ذلك أن الفارق بين القوتين الروسية والأميركية على المستويين الاقتصادي والعسكري كبيرٌ جداً، أميركا لا تقارن بروسيا، قوة وعتاداً واقتصاداً، لكن الفارق بين إدارتين، بوتين الذي يعتمد سياسة الإقدام، والحزم، والإصرار، والضرب المباغت والمباشر، وأوباما الذي يهدد من دون تنفيذ أو جدية، بل استفادت إيران من ضعف أوباما لغرض الاتفاق مع الولايات المتحدة والغرب لصفقة على إثرها ترفع العقوبات عنها، وأدار أوباما ظهره للعرب وحلفائه في الخليج. قبل أيام كتب توماس فريدمان في «نيويورك تايمز»، مقالة بعنوان: «لا تفعل شيئاً الزم مكانك» وفيها رأى أن: «الحرب الباردة كانت حدثاً فريداً بين قوتين عالميتين تحمل كل منهما أيديولوجيا عالمية، وتتمترس كل منهما خلف ترسانة نووية، وتقف من ورائهما تحالفات واسعة. كان واقع العالم أشبه برقعة شطرنج حمراء وسوداء. كانت كل محاولة للسيطرة على مربع يخص الآخر تثير هواجس الأمن لدى الآخر، والرفاهية والسلطة. وكانت الحرب الباردة لعبة صفرية النتيجة، فأي مكسب يحرزه الاتحاد السوفييتي وحلفاؤه يعتبر بمثابة خسارة للغرب وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، والعكس صحيح. انتهت تلك اللعبة وحققنا الفوز. وصار النموذج الذي لدينا الآن هو عبارة عن تشكيلة من لعبة قديمة ولعبة حديثة. ويقول مايكل ماندلبوم، أستاذ السياسات الخارجية في جامعة جونز هوبكنز، إن الانقسام الجيوسياسي الأعمق في عالم اليوم يقع بين فئتين من الدول؛ أولاهما تبحث عن القوة، بينما تريد الثانية أن ينعم شعبها بالرخاء والازدهار». هذا الخيار الثاني الذي يعتمده أوباما إذ يركز على الداخل بدلا من الخارج هو الذي أضعف أميركا وجعلها تستنكف عن حماية مصالحها، وعن حماية الأمن القومي، بينما تفعل روسيا العكس، تقوم على أسس القوة، وهي ستشنّ حرباً على أوكرانيا باعتبارها جزءاً من المصالح ومنطقة من مناطق النفوذ لها وبالتالي فإن خسارتها هي خسارة لرصيد سياسي معين ولابد من استعادته كما تستعاد الأرض ويستعاد المال. ذلك هو الفارق الكبير بين الأميركيين والروس، والذي أشار إليه فريدمان، وإن لم يكن بهذا الوضوح. ويختم فريدمان بمقولة مهمة: «كان ينبغي علينا تعلم الدروس المستفادة من تجاربنا الأخيرة في دول الشرق الأوسط، وهي أولا أن الدول الغربية وأميركا وغيرها لا تعرف التناقضات السياسية والاجتماعية في هذه الدول حق المعرفة». وذلك يذكرنا بنصيحة كيسنجر للرؤساء الأميركيين بقراءة تاريخ المجتمعات، وكيف طالبهم بقراءة تاريخ الجزائر قبل أن يكونوا جزءاً من المشكلة أو الحل. العالم يتشكل من جديد، وهناك توازن قوى مختلف، لكن ليس ثمة عودة للحرب الباردة، ذلك أن المرحلة الحالية ليست تلك التي سادت في النصف الثاني من القرن العشرين، بل مرحلة أخرى مختلفة جذرياً ضمن تنوع قوى، وتوازن نفوذ، وصعود أكثر من قطب على المسرح السياسي الدولي.