كان على أن أدرك أن شيئا ما يلوح في الأفق ما أن سألني دبلوماسي سعودي قائلا: أتعلم أي نوع من النساء يرغب الرجال السعوديون اليوم؟ فأجبته بالنفي وسألته: كلا لا علم لي.. أي نوع من النساء؟ فجاءت الإجابة (امرأة عاملة). طرق ذهني ذلك الحوار لدى قراءتي الأسبوع الماضي نبأ عن أن المملكة العربية السعودية ستجري أول انتخابات حقيقية لمجالس محافظاتها خلال عام من الآن. فما الذي يلوح في الأفق حقا وقد ظن الغالب الأعم من الناس أن الجليد سيتساقط على المملكة قبل أن تجرى الانتخابات العامة فيها؟
هناك ثلاث صدمات كبيرة تزلزل كيان النظام العربي القائم، وتلك هي النذر القادمة. أولاها ارتفاع الحاجة أكثر فأكثر إلى الزوجة العاملة المنتجة مع انخفاض معدلات عائدات النفط وانحسار الأموال اللازمة لشراء متطلبات الحياة وتوفير الوظائف في ظل الانفجار السكاني الذي تشهده الدول العربية. أما الصدمة الثانية فتتمثل في تداعيات الحرب على العراق. فعلى رغم كل المصاعب التي تشهدها العاصمة العراقية بغداد، إلا أن الأقليات العربية الحاكمة بدأت تهيئ نفسها على نحو أو آخر، لاحتمالات ذلك اليوم المكروه الذي سيشهد فيه العراق انتخابات عامة نزيهة وحرة بحلول عام 2005· عندها سيكون العار قد لحق بكافة الأنظمة التي لم يحدث لها أن شهدت مناسبة سياسية كتلك. وإذا كان لورانس سامرز رئيس جامعة هارفارد هو من يحلو له القول (إن مثالا عمليا واحدا لهو أجدى من ألف نظرية ونظرية) فمن يدري أن يكون العراق-ربما- أحد هذه الأمثلة العملية الجيدة. إلى هنا نكون قد بلغنا الصدمة الثالثة التي تزلزل كيان النظام العربي القائم. تلك هي الكوكبة الشجاعة المستنيرة من علماء الاجتماع العرب الذين آلوا على أنفسهم إشعال حرب الأفكار وشق الطريق أمام مستقبل عربي أفضل بدعم من الأمم المتحدة وتشجيعها.
المأثرة التي حققها هؤلاء العلماء أنهم بينوا كم تخلف العالم العربي عن الركب، وفصلوا معالم طريق تقدمي يفضي إلى الأمام. ففي أول إصدار لهم (تقرير التنمية البشرية العربية لعام 2002) بين هؤلاء العلماء كيف تضافرت عوامل العجز الديمقراطي ونقص التعليم وتخلف دور المرأة في المنطقة، لتجعل معا، إجمالي الناتج القومي العربي لاثنتين وعشرين دولة من دول المنطقة، معادلا لما دون الناتج الإجمالي القومي لدولة أوروبية واحدة هي إسبانيا. وعلى رغم محدودية استخدام الإنترنت في الدول العربية، إلا أن النسخ الإلكترونية من هذا التقرير قد جرى تحميلها وتداولها على نطاق واسع، وإدارة حوار داخلي عربي حولها. فقد تم تداول مليون نسخة منها.
هذا ومن المقرر أن يصدر اليوم الاثنين في العاصمة الأردنية عمان هؤلاء العلماء العدد الثاني من التقرير المذكور الذي سيسلط الانتباه هذه المرة على الحاجة الماسة إلى إعادة بناء ما أطلق عليه التقرير اسم (مجتمعات المعرفة). ومع أن التكتم لا يزال يحيط بمحتوى التقرير ولم يفصح عنه لأي جهة إعلامية، إلا أن ما تبادلته من حديث مع بعض مؤلفيه، يدفعني للشعور بأنه سيكون قنبلة أخرى مرتقبة.
ما يسترعي الانتباه في المواقف والقناعات الفكرية لمؤلفي هذا التقرير هو أنهم لا يؤمنون بنموذج الحرب الأميركية على العراق، ويفضلون عليه عملية التغيير السياسي من الداخل على حد قولهم. غير أنهم يؤمنون بضرورة أن يكون التغيير حقيقيا وجذريا. ومما يحملونه من قناعات راسخة وعميقة، أن للإسلام جذورا ضاربة في استيعاب المعرفة وتمثلها. ولكن الذي حدث في العصور الأخيرة هو تحالف (غير مقدس) بين بعض الأنظمة العربية القمعية ومجموعة من علماء الإسلام المحافظين، أفضى إلى سيادة تأويلات بعينها للإسلام، فصلت على مقاس ما تريده الأنظمة الحاكمة وخدمة أهدافها، بيد أنها معادية لتنمية إنسان المنطقة وقواها البشرية الحية. وهم بذلك يشيرون تحديدا إلى مصادرة حرية الفكر والحيلولة دون تعزيز دور المرأة وخضوع الحكومات العربية لمحاسبة ورقابة شعوبها.
فما نتيجة كل هذه المعوقات؟ في العالم العربي لا يوجد سوى ثمانية عشر جهاز كمبيوتر لكل 1000 مواطن، قياسا إلى متوسط المعدل العالمي الذي يصل إلى نسبة 78.3 في المئة لكل ألف فرد. أما خدمة الإنترنت فلا تتوفر إلا لحوالى 1.6 في المئة فحسب من مجموع الكثافة السكانية العربية. والحال هكذا فليس غريبا أن يهاجر خلال عام 1995-1996 وحده 25 في المئة من مجموع خريجي الجامعات العربية ممن يحملون درجة البكالوريوس في تخصصاتهم المختلفة، في حين هاجر من الأطباء خلال الفترة الممتدة بين 1998-2000 حوالى 15000 من العاملين في المهنة، وتركوا المنطقة كلها.
يلاحظ على المنطقة أيضا أنها تستورد سنويا أطنانا من التكنولوجيا الأجنبية، إلا أنها لم تنبت من تربة المنطقة ذاتها، ولا توجد جهود حقيقية لتوطينها وجعلها ثمرة من ثمار الابتكار أو الإبداع المحلي. وفي قناعة مؤلفي التقرير المذكور أن هناك حقيقة واضحة وضوح الشمس، ولا تخفى على كل من تطأ قدماه أرض المنطقة العربية. تلك هي غنى البلدان العربية بر