سحب الحرب تتجمع وبكثرة حول الحدود الروسية الأوكرانية، وبخاصة في القرم. والقرم عند العرب والمسلمين له مغزى تاريخي خاص، حيث قامت روسيا منذ حوالي 160 عاماً بالتحرش بهذا الإقليم الذي كان منطقة نفوذ للإمبراطورية العثمانية، واستنجد العثمانيون في تلك الأيام بكل من بريطانيا وفرنسا، وحتى بعض الولايات التابعة للدولة العثمانية، كمصر على سبيل المثال، للدفاع عن القرم، ونجحوا فعلا في مقاومة التهديد الروسي وحماية الإمبراطورية العثمانية من الوثبة المتحفزة لروسيا القيصرية. وها هي روسيا تعود مرة أخرى إلى القرم الذي لم تنساه، والذي يفتح لأسطولها منفذاً إلى المياه الدافئة والذي كان ولايزال أحد الأهداف الرئيسية للاستراتيجية الروسية. السلوك الروسي في أزمة أوكرانيا ومخاطرتها بخسائر ضخمة في علاقتها مع الدول الغربية، يدل على ثبات بعض الأهداف الاستراتيجية لبعض القوى الكبرى، رغم مرور القرون وتغير الأزمان وتطور التكنولوجيات. وهو قد يشكك حتى في المقولة الشائعة حول نهاية التاريخ، والتي أطلقها المفكر الأميركي فرانسوا فوكوياما غداة سقوط حائط برلين في عام 1989 التي جسّدت انقسام أوروبا بين كتلة شرقية وغربية، يقودهما الاتحاد السوفييتي والولايات المتحدة. ثم جاء تفكك الاتحاد السوفييتي ليؤكد نهاية هذه الحرب الباردة، والتي انتهت فعلا، وإن بقي السؤال مطروحاً: لكن هل انتهى التاريخ؟ لقد انتهى تاريخ مرحلة معينة من التاريخ، ولكن التعميم على التاريخ بأسره فيه نوع من التبسيط بل واختزال تاريخ العالم كله في الحرب الباردة، وما يحدث حول أوكرانيا وسوريا يُعبر عن خطأ هذا التعميم والاختزال. فبالنسبة لأوكرانيا -هذه المساحة الشاسعة لبلد غني بالغلال وقد ظل على الدوام يعتبر مخزن قمح العالم- يتضح أن بعض مظاهر التاريخ العالمي لم تختف، بل في الواقع تعود. فهذا البلد يُكافح في سبيل استقلاله وتأكيد سيادته منذ قرون، وقد فشل إلى حد ما في ذلك، لكنه لم يتخل عن هدفه. لذا، فعندما تفكك الاتحاد السوفييتي انتهزت أوكرانيا الفرصة لتعلن استقلالها، بل فاوضت الاتحاد الأوروبي للانضمام إلى عضويته. وبالطبع لم يعجب موسكو تطور سلوك أوكرانيا هذا، واحتمال ألا تفقد روسيا فقط فرصتها للولوج إلى المياه الدافئة، بل شبح وجود الاتحاد الأوروبي وحلف «الناتو» على حدودها الشرقية ومحاصرتها في هذا الاتجاه أيضاً بعد محاصرتها بانضمام بعض محمياتها السابقات في شرق أوروبا، مثل تشيكوسلوفاكيا وبولندا، إلى الاتحاد الأوروبي وحلف «الناتو»، والذهاب مراراً وتكراراً إلى مقر الاتحاد في بروكسل، بعد أن كان الطريق الوحيد لهذه المحميات السابقة هو الرحلة إلى روسيا وطلب رضاء موسكو. لم تشعر موسكو بالتهميش الدولي المتزايد فقط، بل رأت في سلوك أعضاء منطقة نفوذها السابقين والهرولة تجاه الاتحاد الأوروبي، محاولة جديدة «لاحتواء» روسيا، هذا «الاحتواء» الذي مثّل بوصلة الغرب في الحرب الباردة بعد أن نشر جورج جينان مقالته الشهيرة في دورية «الشؤون الخارجية»، ثم تم تبنيها كسياسة للولايات المتحدة والغرب عموماً لمنع توسع الاتحاد السوفييتي ناحية المياه الدافئة أو غيرها. كان ذلك في عام 1947، وتعتقد موسكو أنه مستمر حتى الآن. وعلى الرغم من استقلال أوكرانيا، إلا أن سلوك موسكو لم يتغير: محاولة فك ما تتصوره حصاراً عليها واحتواء دول محيطها من جانب الغرب الذي ما فتئ يحاول منعها من الوصول إلى موانئ المياه الدافئة. هذا هو الهدف الذي لم يتغير قبل وأثناء وبعد الحرب الباردة، سواء من جانب موسكو تجاه أوكرانيا أو حتى حيال دولة بعيدة جغرافياً مثل سوريا. وهكذا فبالرغم من اختلاف بلدين متباعدين جغرافياً وثقافياً، مثل أوكرانيا وسوريا، فإن السلوك الروسي تجاههما واحد: تأييد أي حاكم موال لموسكو مهما كان نوعه، فالرئيس الأوكراني المخلوع فيكتور يانوكوفتش الذي هرب إلى موسكو، يتم الاحتفاء به هناك، رغم الصور التلفزيونية التي تملأ العالم حول فساده وبذخ قصوره المرصعة بالذهب وحدائقه المملوءة بالحيوانات المفترسة المستوردة من أفريقيا وطيوره النادرة من أميركا اللاتينية.. وهذا ما نراه في الظاهر، فما بالنا بإهدار الأموال وحتى حشو الجيوب الذي لا تنقله الصور التلفزيونية. ومقاومة الاحتواء الغربي ذاته يدفع موسكو إلى تأييد ودعم نظام قمعي وفاسد أيضاً مثل نظام الأسد في سوريا، حتى ولو كان ثمن هذا التأييد سقوط أكثر من 140 ألف قتيل من السوريين وتشرد حوالي 2.4 مليون آخرين. وحتى المخاطرة ببعض التوتر ليس فقط مع واشنطن وباقي العواصم الغربية، ولكن أيضاً مع بعض الدول العربية مثل المملكة العربية السعودية وباقي دول الخليج العربية. لقد تغيرت الأزمان إذن منذ نهاية الحرب الباردة قبل حوالي ربع قرن من الآن، وذهب قادة وجاء آخرون، بل تغيرت أنماط الاقتصادات الوطنية وكذلك الاقتصاد العالمي، وتطورت التكنولوجيا لاسيما في مجال الاتصالات والميديا الحديثة، ولكن لم تتغير كثيراً أهداف بعض الدول الكبرى، لذلك لا يجب أن نخلط بين نهاية تاريخ منطقة أو مجموعة من الدول أو حتى حقبة معينة، وبين نهاية التاريخ العالمي ككل، بأبعاده المختلفة وأهداف بعض دوله العظمى. والواقع حالياً يثبت خطأ هذا الخلط والتجني.