إنه قرن مختلف سيشهد فيه العالم عمليات واسعة النطاق وغير مسبوقة من «التدمير الخلاق» وليس الفوضى الخلاقة فقط، وهي الحرب العالمية الثالثة التي بدأت في تشويه الحياة السياسية بعد أن أطلقت القنبلة النووية الناعمة باستخدام القوة الناعمة والصلبة والذكية، وقوة ممارسات الفوضى الخلاقة، وقوة القيم الإنسانية المعولمة وقوة الهيمنة الاقتصادية ونمو الإنتاجية التجارية والصناعية وقوة التفوق العلمي والتكنولوجي والمعرفي، وقوة التفوق النوعي للموارد البشرية والإدارة الرشيدة، وقوة منظومة القيادة والسيطرة السياسية وقوة حاكمية القانون والنظم وقوة مخزون الموارد الطبيعية وقوة التحالفات المركبة والروح المعنوية والشخصية القومية للسكان، وقوة الحدود المادية والافتراضية والموقع الجغرافي، كل تلك القوى تشكل ما أُطلق عليه القوة القومية المتكاملة للدولة ( National Integrated Power) وهي سببية ونسبية ومؤقتة ومتعددة الأبعاد ومرنة في خصائصها الأساسية. واستخدام هذه القوة يحقق تفوقاً ملموساً في موازين القوى وفرض أجندة لمن يملكها أو من يملكونها وينتج عنها زيادة التفاوت الصارخ في المعرفة والعلوم الحديثة والتكنولوجيا، واتساع الفجوة بين الأغنياء والفقراء كأفراد ومجتمعات ودول. فتطبيق نظرية التدمير الخلاق أو الإبداعي هي الأداة المفضلة في عملية العولمة الجيو- استراتيجية للوطن العربي والتحول نحو الجيوثقافية، والتفكيك الداخلي الذاتي بجانب ممارسات القوى الكبرى ما بين تدخلات عسكرية مباشرة أو الحرب عن بعد بشن حرب استباقية أو وقائية بالوكالة، سواء كانت عسكرية أو استخبارية أو اقتصادية أو نفسية أو إعلامية أو قيمية ... الخ التي تراها أميركا فضيلة لا غنى للعالم عنها، ولا عجب أن تنطلق النظريات المحددة للسياسة الأميركية والبعد الديني فيها من كليات ومفكري جامعات النخبة ومراكز التفكير والتميز الأميركية الخاصة والحكومية المسيطر عليها من قبل اليهود وهي تتمتع بتأثير عميق على كيفية رؤية الأميركيين للعالم بجانب الإعلام. كما تأثر تلك النظرية تباعاً على سياسات كل القوى العظمى، فترى روسيا تتدخل عسكرياً في أوكرانيا لأهمية تقسيم أوكرانيا والمنطقة الشرقية منها بصورة خاصة، كونها منفذاً بحرياً حيوياً لروسيا، فالقوى الكبرى تنتهج سياسات المصلحة القومية أولاً، وحدودي تنتهي عند آخر نقطة في حدود الدول المتاخمة لحدودي وأي ممر حيوي أو منطقة جغرافية تقف ضد تحقيق وتدفق مصالحي المختلفة وتأمين عمقي الاستراتيجي الأمني والاقتصادي. فأميركا وحلفاؤها والصين وروسيا وحلفاؤهما والقوى الإقليمية الأبرز في كل قارات العالم، يشاركون جميعاً وبصور ونسب متفاوتة في منظومة تقسيم العالم حسب مقتضيات سياساتهم النفعية ومصالحهم الحيوية. وبالتالي كل ما يجري في الوطن العربي وما هو قادم هو أمر حتمي على الرغم من إصرار الشعوب العربية على مفهوم ثورة الشارع وضمير الأمة الحر، متجاهلين تداعيات «الربيع العربي» التي تعد أكبر خدمة وضعت في طبق من ذهب في متناول القوى الكبرى لتسريع تطبيق استراتيجية تفكيك وتدمير وإعادة بناء خريطة العالم، وليس الشرق الأوسط فقط، وخلق الظروف التي تساعد تلك القوى على المضي قدماً سراً وعلانية للوصول لغاياتها القومية ولن يهدأ لها بال حتى ترى المناطق التي يوجد بها القدر الأكبر من احتياطي الطاقة في العالم مقسمة لدويلات متصارعة تلعب القوى العظمى بينها دور الوسيط الذي يجمع ضريبة الحماية بصورة يومية، وستتحول القوى العظمى لشركات إدارة ثروات العالم وخصخصة السياسة في الدول التي تقع تحت استعمار الفوضى الخلاقة. ومن أمثلة التدمير الخلاق وأفتك أسلحته هو فرض واقع سياسي جديد على شعوب غير مهيئة لممارسة الديمقراطية بثوبها الغربي، ومن الأسلحة الأخرى المدمرة إثارة الفوضى في كل مكان، وتشتيت الفكر والتوجه والجهود والسكوت عن الزحف الناعم لتطويق أهم مراكز القوى في الوطن العربي والعالم الإسلامي، فترى مثلاً الحوثيين في اليمن قادمين ومسيطرين على صنعاء، وهي مسألة وقت بمساعدة إيران وغيرها من لهم مصلحة هناك للسيطرة على البحر الأحمر، وتأمين قواعد إيران وإسرائيل والقوى العظمى في القرن الأفريقي، ناهيك عن سوريا على البحر المتوسط ووضع الوطن العربي بين كماشة الأسد والخيارات المحدودة، إما السيطرة عن طريق الفوضى أو سيطرة الجماعات الإسلامية المتطرفة على تلك المناطق الحيوية، واختارت الولايات المتحدة وبعض الدول العظمى الفوضى. وعندما يصبح العنف أسلوباً للحوار الرسمي، ويصبح عدد اللاجئين السوريين ثاني أكبر عدد بعد الأفغان في العالم وسيصبح الأول بنهاية هذا العام، ألا يحق لنا أن نفكر بعقلانية فيما يدور من حولنا من أحداث جعلت العديد من الشعوب العربية والمسلمة بلا أوطان، وإنْ كانوا يعيشون فيها، وغداً بلا هوية في ظل غزو الهندسة الاجتماعية وهو تدمير بناء بالنسبة للقوى العظمى وعقلية السوق الحرة السياسية والوطن العربي لن يكون وحده الضحية، بل أفريقيا ودول البحر الأسود ودول بحر قزوين والبلقان والدول الإسلامية المطلة على البحر المتوسط والسيطرة على كل المواقع الجغرافية التي من المفترض أن تشكل مصادر تهديد لأمن تلك الدول وغيرها من الدول الميليشياوية ومن يقف وراءها في سياق العولمة والفوضى «السيبرانية» التعبوية. وذلك التسلسل الهرمي من التدمير الخلاق يفرز اضطرابات عشوائية ومبرمجة للعلاج بالصدمة وخلط الأوراق قبل أن تسقط بشكل طبيعي، ولكن للأسف بحلول مصطنعة، فالغرب مؤمن حقيقة بضرورة أن السياسة لعبة الخداع والغش الممكن دون ترك أثر ودليل على تجريم فردي أو مؤسسي، وأما الدبلوماسية فهي فن إيهام المتلقي بصدق نوايا المرسل والابتسامة في وجه العدو وكأنه صديق حتى يقتنع بأنك صديق، فالحرب ذكية والوطن العربي لا يملك وسائل دفاع ذكية وسيجبر في النهاية بخديعة السيادة النسبية. فإن العالم الإسلامي مقسم بين من هم في غفلة ومن هم في تغافل من حملة البرمجة العقلية التي يقوم بها الغرب وهي عقيدة ثابتة غير معلنة يريدون تأصيلها في الأذهان ألا وهي أن الشرق الأوسط لا يستقيم ولا يتقدم في غياب عقول العالم الأول المتحضر لقيادته، فهو عاجز بموروثه الديني ومكوناته وصراعاته الدائمة وموقف الأقليات فيه عن إدارة نفسه، والتدخل في شؤونه واجب إنساني أخلاقي في المقام الأول، مع تضليل الجمهور وإقناع النسبة الأكبر منهم بأن الكراهية الطائفية بين المسلمين حتمية واقعية، وبالتالي لا بد من تجزئة الشرق الأوسط على أسس عرقية ودينية، فتحولت المؤسسات السياسية الأمبريالية لشركات دعاية عالمية تنشر دعاياتها بصورة متكررة ورخيصة بشتى الوسائل الإعلامية والتقنية الممكنة، حتى أصبحت تلك الدعاية أحد مرتكزات السياسة الخارجية لديها وأكثر وسائل الدبلوماسية الشعبية نجاعة. فمن يرغب فعلاً في وجود حل مستدام لاستقرار الشرق الأوسط، وهناك فرق شاسع بين الرغبة والخطط الفاعلة والإمكانية والتطبيق الناجح، خاصة إذا ما ارتبطت الإمكانية بأجندة خاصة تعطل ديناميكية التطبيق، فالعراق على سبيل المثال تملك احتياطيات نفطية تعد في المرتبة الثالثة عالمياً ولذلك القوانين التي تم التصديق عليها في ما يخص الثروة النفطية شاركت الحكومة الأميركية في وضع قوانينها بصورة أو بأخرى، وهي تمنح شركات النفط الكبرى عقوداً لمدة (30) عاماً لاستخراج الخام العراقي. فنغمة أن حرب العراق كانت حرباً فاشلة لأميركا لم تضع فيها كل مدخلات المعادلة لتكون النتيجة صحيحة، فحرب العراق بين الخسارة والربح تعد أكبر عمليات مضاربات الفساد المقنن في التاريخ، ولو فتحت الملفات السرية وما دار في الكواليس لأدركنا حجم المكاسب المالية والعقود التي حصل عليها العديد من الأفراد والجماعات والمؤسسات التجارية والصناعية، ولصدم الشعب العراقي والأميركي من هول تفاصيل لعبة الدم والنفط وإعادة بناء العراق في فضيحة (العراق جيت) سيكشف الستار عنها عاجلاً أم أجلاً. وعليه يجب أن نضع في عين الاعتبار أن التقسيم المبرمج وزعزعة استقرار المنطقة مخطط معتمد، ويحتاج بالمقابل لاستراتيجية دفاع متقدم، وسياسات شاملة لبناء جسور التحصين والتعافي الذاتي، وتطوير ترياق مضاد لبكتيريا التدمير الخلاق تطعم به الشعوب العربية والمسلمة قبل ساستها.