أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش الابن، وثنّى على ذلك في خطابه في مؤتمر الحزب الجمهوري في نيويورك يوم 1/9/2004 خطة على نطاق كوني تهدف إلى إعادة تمركز القوات المسلحة الأميركية في العالم خلال السنوات العشر المقبلة. وما هو مهم في هذه الخطة هو إعادة 70 ألف جندي وفني ومتعاقد أميركي إلى بلادهم من أوروبا وآسيا. فبعد أحداث 11/9/2001 شرعت الإدارة الأميركية الحالية في إعادة النظر في خريطة توزيع القوات الأميركية في العالم. ففي الإدارة المركزية تطلب الأمر إعادة النظر في تشكيلة الأجندة الأمنية وتعيين وزير للأمن الداخلي. وفي خارج الولايات المتحدة اتجهت النية نحو تجميع القوات المسلّحة في مناطق تشكّل أهمية استراتيجية للصناعة الأميركية لما فيها من ثروات، كالنفط وسواه. وهذا ينطبق، بشكل رئيس، على منطقة الشرق الأوسط، حيث النفط وإسرائيل. وهذا يعني التفكير في تقليص حجم القوات المسلّحة الأميركية في أوروبا وآسيا وذلك لعدة أسباب. أولا، لأن أوروبا لم تعد تتعرض للتهديد من قبل الاتحاد السوفيتي السابق أو من معسكره الاشتراكي. ثانياً، لأن الاتحاد الأوروبي يضم حالياً 25 دولة عضواً، وهو في اتساع. ثالثاً: لم يكن موقف أوروبا وحلف شمالي الأطلسي مشجعاً في الحرب على العراق. رابعاً: لم تعد قدرة كوريا الديمقراطية على تهديد كوريا الجنوبية مماثلة للماضي. خامساً: هناك في اليابان توجه سلمي بعد أن تشكّلت فيها قوة اقتصادية قوية. سادساً: هناك دول مستنفرة مثل أستراليا، والفيليبين، وأندونيسيا ضد التطرف والأصولية. سابعاً، باتت الصين سوقاً واسعة للمنتجات الأميركية. ثامناً: لم يعد في المنطقة كلها نفوذ شيوعي يخشى منه.
لهذه الأسباب وجدت الإدارة الأميركية ضرورة لإعادة النظر في توزيع القوات الأميركية. فقد دعا دونالد رامسفيلد قبل أحداث 11/9/2001 إلى "إعادة تنظيم أوضاع القوات المسلّحة الأميركية خارج الولايات المتحدة". ولكن الأحداث أوقفت مشروعه حتى إذا حان موعد الانتخابات الرئاسية بعد الحرب على أفغانستان والعراق، اعتمدت الخطة على الأسس التالية: 1- وقف النظرية الأميركية التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية والقائلة بضرورة إقامة قواعد عسكرية ضخمة فيها حشد هائل من القوات قادر على التصدي لأي هجوم وخاصة في أوروبا واستبدالها بقواعد عسكرية صغيرة تشكّل نقاط انطلاق. 2- ستكون للقوات المتبقية القدرة على الانتشار وعلى تحقيق الأهداف الاستراتيجية. 3- التشديد على اعتبار بعض الوقائع لدى دراسة معايير التوزيع في الخارج. 4- إن وجود قواعد عسكرية في الخارج يكلف الخزينة مليارات الدولارات. لقد قفزت ميزانية البنتاغون من 158 مليار دولار عام 2002 إلى 304 مليارات دولار عام 2003 ثم إلى 307 مليارات دولار في عام 2004. والحبل على الجرار. فهناك نحو 3% من الدخل القومي للولايات المتحدة ينفق على شؤون الدفاع. ومن المتوقع أن يبلغ الدين العام 5000 مليار دولار في عام 2008 وهكذا. 5- التأثير النفساني على الناخب الأميركي.
وفي التقدير العام أن الإدارة الأميركية الحالية تعتمد على العناصر التالية: 1- الدولار الأميركي هو عملة التبادل الواسع في العالم. 2- الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة القادرة على الاستدانة بسقف مفتوح وشركاتها هي الأقوى والأقدر والأغنى في العالم كله، فلها 17500 فرع، منها 11000 في الصناعة. 3- نمط الحياة الأميركي والثقافة الأميركية مبهران، وهو ما يعرف بالعولمة أو الأمركة.
ويرى هنري كيسنجر في كتابه الأخير والحديث "القوة الجديدة لأميركا" أن المسألة الحقيقية هي في الصورة التي لدى الولايات المتحدة عن نفسها. فمع أن الولايات المتحدة تنفي عن نفسها صورة "الدولة الإمبريالية الإمبراطورية" فإن كثيراً من شعوب العالم ودوله لا يراها إلا بهذه الصورة. وبحسب مواقف هذه الشعوب والدول من الولايات المتحدة سيتحدد نوع النظام العالمي الجديد، إما بالتفاهم مع الولايات المتحدة أو بمواجهتها.