في الرياض حيث كنت مؤخراً شاركت في ندوة «الإسلام السياسي والدولة» التي نظمت في إطار النشاط الثقافي لمهرجان الجنادرية الذي ينظمه سنوياً الحرس الوطني السعودي، وقد تمحور الجدل المحتدم حول هذا الموضوع الأساسي والراهن حول منزلة الدين في الشأن العمومي وخصوصية الإسلام في المسألة. وقد بدا لي من البيّن أن النقاش في المسألة الدينية- السياسية يعاني من اختلالين نادراً ما يتم الكشف عنهما: إغفال واقع التعددية المتزايدة في التصورات الفكرية والعقدية الناظمة للمجال العمومي، والتباين الواسع في المدونة التأويلية والاصطلاحية بين الاتجاهين الإسلامي السياسي والليبرالي الحداثي بخصوص مرجعيات الشأن العمومي ونمط تدبيرها. فبالنسبة للموضوع الأول، يلزم الاعتراف بأن المجتمعات العربية الإسلامية الراهنة لم تعد يجمعها تصور واحد ومنسجم للخير الجوهري المشترك، أي لم تعد تتفق في النسق القيمي الجماعي الذي كانت تؤطره تقاليد دينية أو ثقافية قبلية. ففضلاً عن التباين الواسع في فهم الدين نفسه بظهور أنماط تدين وتأويل شديدة التباين والتضارب، فإن اتجاهات واسعة في الحقل الاجتماعي لم تعد تصدر في منظورها للميدان العمومي عن مرجعية دينية. ومن هنا يمكن القول إنه بصرف النظر عن الخيارات الرسمية المعتمدة، فإن عموم المجتمعات العربية الإسلامية انخرطت في مسار التعددية الذي هو أرضية الليبرالية التعددية التي هي التعبير السياسي عن المقاربة الدنيوية (السيكولارية) للشأن الجماعي المشترك. وبخصوص الموضوع الثاني، نلمس بجلاء احتدام النقاش بين الاتجاهين الديني والعلماني في منحى أيديولوجي تصادمي، يستخدم أحدهما قاموساً كلامياً ولاهوتياً ويستخدم الآخر مصطلحات إنسانية عقلانية، بحيث يتحول الصدام فكرياً إلى صِدام بين الدين والفلسفة أو الإيمان والعقل. كان الفيلسوف الألماني المعروف «يورغن هابرماس» قد نبّه في أعماله الأخيرة إلى أن حقبة الصراع بين التصورات اللاهوتية للعالم وللإنسان والتصورات الإنسانوية لهما قد انتهت في العالم الغربي، مشيراً إلى ضرورة مراجعة الأطروحة الفيبرية الشهيرة حول العلاقة التلازمية بين مسار الحداثة في بعدها العقلاني وانحسار الدين في الوعي الفردي الذي هو ملاذه الأخير وفي الشأن العمومي الذي لم يعد له حضور فيه. ويوضح هابرماس أن العلمنة وإن أصبحت حقيقة راسخة في المجتمعات الغربية، إلا أن الدين لا يزال عنصراً محدداً في هوية الأفراد من منظور القناعات الجوهرية الذاتية التي ليست مجرد تصورات ومعتقدات فردية بل لها تأثير نوعي في توجهات حامليها من حيث هم منتمون للمجموعة الوطنية، كما أن الدين يؤدي دوراً مجتمعياً متزايداً في سياقات تعددية لا سقف معياري فيها، ومن ثم تتحول المجموعات الدينية إلى «مجموعات تأويلية» لها مكانتها في النقاش العمومي في القضايا القيمية والمجتمعية المطروحة بحدة في الساحات الغربية. بيد أن الدرس الأساسي الذي نستخلصه من أطروحة هابرماس هو أن في الدين مستويين: مستوى عقدي وثوقي يتعلق بالمسلمات الإيمانية غير القابلة للترجمة في لغة البرهان العقلي الكوني فهي من الحقائق الذاتية التي تتحدد قيمتها بصدق التجربة الإيمانية وأصالتها، ومستوى أخلاقي قابل للترجمة في لغة العقل العملي ومن حقها النفاذ إلى المجال العمومي المشترك لا من حيث مرجعيتها الدينية ولكن من حيث مضامينها العقلية التي تؤدي دوراً إيجابياً في تدعيم البناء المجتمعي المشترك وإثراء النقاش التواصلي المفتوح. وما يهمنا في أطروحة هابرماس هو الإشارة إلى أن الجدل المحتدم في الساحة السياسية العربية حول مرجعيات البناء السياسي والدستوري يقتضي في ظل التعددية القائمة بلورة المعجم الدلالي القابل للتوافق والإجماع وهو بحسب هابرماس المعجم القانوني الحديث الذي هو وحده القادر في منطقه الإجرائي ومرونته الصورية احتواء المثل والتطلعات الدينية في أبعادها القيمية الكونية القابلة للتعميم أي الترجمة في لغة عقلية متداولة. والواقع أن هذه «الترجمة الدلالية» ليست مجرد صراع مصطلحي أو معجمي، بل هي استراتيجية مطلوبة لاستيطان قيم الحداثة السياسية التي هي أفق اندماج المجتمعات العربية الإسلامية في عصرها. بيد أن الترجمة الدلالية تتطلب جهداً مزدوجاً يتمثل من جهة في تجديد «الهوية السردية» (بلغة بول ريكور) للأمة أي إعادة تركيبها وتأويلها، ويتمثل من جهة ثانية في تضمينها النسق الدلالي الكوني الذي بإمكانه إخراجها من سجن الخصوصية الانكفائية. إنه المجهود الذي اضطلعت به المنظومات الفلسفية الغربية في عصور الأنوار بترجمتها القيم الدينية في المعجم العقلاني الإنساني وبمنح المقولات اللاهوتية الوسيطة دلالات جديدة في هذا الأفق الفكري والروحي الجديد مثل مقولات السيادة والتمثيل والحق الطبيعي. ولقد حاول الإصلاحيون العرب في بدايات ما يسمى بعصر النهضة العربية الحديثة تبْيئة المفاهيم التنويرية الجديدة في المعجم الدلالي الإسلامي (كترجمة الطهطاوي لمقولة الحرية بعبارة الرخصة الفقهية)، بيد أن هذا الجهد توقف مبكراً، فحرص دعاة الإسلام السياسي على بلورة عدة مصطلحية ومفهومية تحافظ للهوية الدينية على «نقائها»، دون وعي بعملية التصرف الواسع في المعجم الإسلامي الوسيط من خلال النقلة الدلالية التي أريد لها أن تكون أصيلة ووفية لـ«الأصل» المرجعي. والمفارقة البادية للعيان هنا هي أن دعاة الإسلام السياسي يؤكدون في خطابهم الدفاعي التبريري أن مقاصد الشرع وثوابته لا تتصادم مع منظومة حقوق الإنسان المدنية، في الوقت الذي يرفضون فيه تحويل هذه المنظومة إلى نسق دلالي مرجعي للبناء السياسي- الدستوري، وكأن إضافة الاصطلاح الإسلامي إلى هذا البناء القانوني شرط لإضفاء الشرعية الدينية على هذا الإطار المرجعي. إن ما نصل إليه في نهاية المطاف هو أن على دعاة الإسلام السياسي أن يدركوا أن الدين وإن كان لا يزال مقوم هوية الأفراد والأرضية المعيارية العميقة للثقافة القومية، إلا أنه أضحى منخرطاً في رهانات التعددية الفكرية والعقدية التي لها استحقاقاتها المعرفية ونمط إدارتها الإجرائية الذي هو الديمقراطية الليبرالية المعبرة عن نفسها في البناء القانوني الناظم لقيم التعايش المشتركة.