في مناظرة أقيمت في إطار الانتخابات التمهيدية الديمقراطية عام 2007، وصف السيناتور أوباما الفكرةَ القائلة بأن «عدم التحدث مع البلدان هو عقاب لها» بـ«السخيفة». وبعد ثمانية عشر شهراً، وفيما كان العالم يتابع تنصيبه التاريخي، أعاد التأكيدَ على انفتاحه على الحوار مع أعداء أميركا إذ قال: «سنمد لكم يدنا إذا كنتم مستعدين لإرخاء قبضتكم». ومنذ ذلك الوقت، تحاورت إدارته مع كوريا الشمالية و«طالبان»، وتحدت المتشككين في الداخل والخارج من خلال جهودها الرامية لاستئناف المفاوضات الإسرائيلية الفلسطينية، وسعت لإنهاء عزلة «الإخوان المسلمين» في مصر، وأصبحت مع إيران، بعد 35 عاماً من القطيعة، قاب قوسين أو أدنى من التوصل لاتفاق نووي. كما التقى الدبلوماسيان الأميركيان المتقاعدان توماس بيكرينج وروب مالي مع «حماس»، وهي منظمة إرهابية متورطة في عدد من التفجيرات والهجمات الإرهابية في إسرائيل. والحق أن تبني أوباما للمفاوضات، يحظى بالتأييد عبر طيف السياسة الخارجية الأميركية. وفي هذا الصدد، قال نائب وزير الخارجية في عهد بوش الابن، ريتشارد آرميتاج، في 2006: «ينبغي أن تكون لدينا ثقة كافية في قدرتنا كدبلوماسيين على التفاوض مع الأشخاص والمغادرة بدون خسارة أي شيء». وذهب ريان كروكر، البطل الدبلوماسي في العراق وأفغانستان، بالفكرة إلى أبعد من ذلك، إذ قال إن على الولايات المتحدة أن تتحاور مع المنظمة الإرهابية المسؤولة عن تفجير ثكنة جنود البحرية الأميركية عام 1983 في بيروت، وعشرات الاختطافات والتفجيرات منذ ذلك الوقت، حيث قال للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ في يونيو 2010: «علينا أن نتحاور مع حزب الله»، مضيفاً: «من الأشياء التي تعلمتها في العراق أن الحوار يمكن أن يكون مفيداً للغاية في إنهاء حركات التمرد». بيد أنه إذا كان تبني أوباما لخيار المفاوضات مع أعداء أميركا قد أصبح القاعدة في دوائر السياسة الخارجية الأميركية، فإنه يمثل انحرافاً عن توجه الإدارات السابقة وعن الكفاءة السياسية. كما أن التاريخ يُظهر بأن لهذه المقاربة كلفة باهظة جداً. وفي العقود الأخيرة، لم يكن أحد أشد انتقاداً للحوار مع أعداء أميركا من نائب الرئيس جو بايدن. فبعد عامين على القمع العنيف الذي شهدته ساحة تيانانمين في الصين عام 1989، ندد بايدن، الذي كان وقتها سيناتوراً عن ولاية ديلاوير، بمحاولة الرئيس بوش الأب الحوار مع الصين، إذ قال: «إن البلد الذي يسعى الرئيس بوش والوزير (جيمس) كيري للحوار معه هو آخر نظام شيوعي كبير في العالم؛ إنه نظام يتميز بالوحشية في الداخل وانعدام حس المسؤولية في الخارج، نظام يتعين على الولايات المتحدة الآن أن تكف عن مغازلته واسترضائه». لكن معارضة بايدن لم تكن مقتصرة على الإدارات الجمهورية، حيث انتقد أيضاً رغبة فريق كلينتون في الحوار مع الرئيس الصربي ميلوزوفيتش خلال حرب البوسنة. وعندما كان الصرب يذبّحون البوسنيين، قال بايدن: «إن التدخل الدبلوماسي... يضر بالمبادئ في كل مرة». وعندما عقد ميلوزوفيتش اتفاقاً في الأخير، عبَّر بايدن عن «مشاعر مختلطة» بشأن الهدنة وقال: «أعتقد أنه لا يفهم سوى القوة»، مضيفاً: «أعتقد أنه هو المشكلة. سيتعين استعمال القوة في النهاية. وأتمنى لو استعملنا هذه القوة». وربما تكون الأوقات قد تغيرت، لكن هل ينجح الرقص مع الشيطان؟ الواقع أنه في أحيان كثيرة، يدافع الدبلوماسيون عن جدوى الحوار مع الأعداء، فقط لأن الاستراتيجيات الأخرى غير جذابة. ذلك أن الأميركيين تعبوا من أزيد من عشر سنوات من الحرب في أفغانستان والعراق، والعقوبات لا تكون أفضل كثيراً في غالب الأحيان. وإذا كانت ناجحة، فإن مفعولها يكون بطيئاً ويأتي بكلفة كبيرة في كثير من الأحيان، سواء من حيث التجارة الضائعة أو الخسائر الجانبية التي تلحق بالأبرياء جراء العقوبات. غير أنه فقط لأن الاستراتيجيات العسكرية والاقتصادية لديها كلفة، لا يجعل الحوار هو الحل. ذلك أن الحوار مع الأعداء يضفي عليهم الشرعية؛ فمثلا عندما بدأت إدارة ريجان التفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية سراً، لم تكن ثمة إمكانية للتراجع. كما أن زيارة وزيرة الخارجية أولبرايت إلى بيونج يانج في أكتوبر 2000 وضعت «الزعيم المحبوب» في كوريا الشمالية على الخريطة الدبلوماسية. وعلاوة على ذلك، فإن حقوق الإنسان تتضرر أيضاً؛ ففي إيران عرفت الإعدامات ارتفاعاً صاروخياً خلال «حوار الحضارات» في عهد خاتمي وخلال محاولات روحاني الحالية لمد قنوات للتواصل مع الغرب. ورغم كل حديثها عن الديمقرطة والإصلاح، فإن إدارة بوش الابن التزمت الصمت بشأن انتهاكات القذافي بحق المعارضين في ليبيا بعد بدء المحادثات. ثم إن العمليات الدبلوماسية يمكن أن تؤخر الجهود لفرض عقوبات والقيام بعمل عسكري وتساعد الحكام المستبدين على تجنب المحاسبة، كما حدث مع الأسد بعد استعمال نظامه للأسلحة الكيماوية. وفضلا عن ذلك، فإن المفاوضات الدبلوماسية مع الأعداء تشجع على السلوك السيئ ، والشركاء غير المخلصين يستغلون الحوار للمماطلة وكسب الوقت. فقد انخرطت إدارة كلينتون مع «طالبان» للتفاوض حول تسليمها بن لادن طيلة ثلاث سنوات قبل الحادي عشر من سبتمبر 2001. وبالمثل، قامت كوريا الشمالية بتطوير أسلحة نووية على خلفية محادثاتها الدبلوماسية مع الغرب، ومن السهل تخيل إيران تقوم بالمثل. ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ مايكل روبن باحث بمعهد المشروع الأميركي في واشنطن ومؤلف كتاب «الرقص مع الشيطان: أخطار التعامل مع الأنظمة المارقة» ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـــ ـ ـ ـ ـ ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»