حتى الآن لم يفاجئنا نحن، في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، الرئيس الإيراني الجديد حسن روحاني وفريقه السياسي بشيء مختلف عن تعامل النظام الإيراني معنا منذ قيام الثورة الإيرانية في أواخر السبعينيات، بالشكل الذي يؤكد لنا أنه مختلف حقيقة عن الواقع الذي نعرفه عن النظام الإيراني، وبالتالي يوجب علينا تصديق تصريحاته المتكررة في «فتح صفحة جديدة» معنا. يبدو أن أفق روحاني ووزير خارجيته محمد ظريف في تغيير تعامل بلاده مع العالم قد انتهى، ربما لأنه ليس الرجل الأقوى في إيران رغم أنه جاء بأصوات الشعب الإيراني الذي يُفترض أنه السلطة الأقوى في النظم الديمقراطية؛ حيث بدأت الاختلافات تظهر على السطح بين روحاني «الإصلاحي» والمحافظين، بما فيها الاختلافات حول الاتفاق النووي مع واشنطن التي أكد وزير خارجيتها جون كيري مؤخراً أن الخيار العسكري ضد إيران ما زال قائماً. لذا فإن وعود روحاني وتصريحاته «الإيجابية» لا تطابق الواقع الحقيقي في إيران. تاريخ تعاملنا مع الحكومات الإيرانية لم يُعرف خلاله الانفراج السياسي. والمزاج العام في الخليج ميال إلى التشكك إزاء الوعود الإيرانية، لأن النظام السياسي الإيراني لم يقدم ما يخلق الثقة، ولم يعرف حتى تقديم تنازلات سياسية بسيطة تمكننا من أن نبني عليها أي احتمالات «أرضية مشتركة»، وبالتالي فإن وعود حسن روحاني لنا بتغيير سياسة التعامل معنا التي يكررها في كل موقف سياسي، ليست سوى آمال سياسية لا أكثر، وهذا هو الشيء الذي يختلف فيه عن غيره من الحكومات الإيرانية السابقة؛ لكن لا يمكننا الاعتماد عليها. من الصعب علينا في منطقة الخليج وغيرها من مناطق العالم تصديق «الرغبة» الإيرانية في التغير والانفتاح السياسي، التي عبّر عنها روحاني في خطابه في «قمة دافوس» مؤخراً، دون تقديم خطوات عملية باعتبارها مؤشرات يمكن الاعتماد عليها. فقد تعاملت دول الخليج أكثر من مرة مع الحكومات السابقة من منطلق حسن النوايا، لكن سرعان ما وجدنا الوجه الحقيقي الإيراني المختلف تماماً عما يدعو إليه السياسيون. هناك حيرة تتملك المراقبين بشأن معرفة قدرات روحاني ومنهجه السياسي تجاه العالم، وهذه الحيرة لها سوابق، ففي الوقت الذي يقدم فيه وعوداً تجد الحقائق السياسية لم تتغير، وكأن هناك حسابات أخرى غير تلك التي يؤكد عليها أمام العالم، ما يعني أنه من الصعب أن تتغير إيران في المدى القريب في التعامل مع المجتمع الدولي، حتى لو تم تبادل زيارات سياسية، كتلك المقررة لزيارة الوفد البرلماني الإيراني إلى بريطانيا. تُظهر المؤشرات أن الحكومة الإيرانية الجديدة لا تختلف عن الحكومات السابقة، حتى لو أطلقت وعوداً بكميات كبيرة يبقى الرهان في قدرتها على تنفيذها، خاصة أن الحاكم الفعلي لإيران ليس روحاني وفريقه، وإنما المرشد الأعلى والحرس الثوري، وبالتالي فإن دعوات روحاني لا تتعدى كونها تصريحات للاستهلاك الإعلامي. لا شك أن الحكومة الإيرانية الحالية مختلفة مقارنة بحكومة أحمدي نجاد الذي أربك العالم، وبالتالي فإن الحديث عنها من منطلق أنها أفضل من الحكومة السابقة أمر طبيعي، لكن من حيث التعامل ليس هناك جديد أو تغير في النهج السياسي، وهذا هو المعيار الذي يمكننا الحكم عليه في التعامل. أغلبية الشعب الإيراني مع الرئيس روحاني، وتشير التقديرات إلى أن نحو 10 في المئة فقط من الإيرانيين يؤيدون الحرس الثوري، وبالتالي فإن الأغلبية ترغب في تغيير سياسة بلادها مع العالم الخارجي. لكن الأمر ليس في يد روحاني وفريقه، وهنا يكون الحديث عن التغير صعباً. وخطب الجمعة، باعتبارها «خطاباً سياسياً» يمكن من خلاله قراءة حقيقة السياسة الإيرانية، خاصة في جامع طهران، تؤكد أنه لا توجد رغبة للتغير، وهنا تكون المسألة مرتبطة بالفعالية السياسية وليس بالنوايا. لو حاولنا تنزيل وعود الرئيس على أرض الواقع، فسنجد أنه لم يتغير شيء، فإيران وقّعت اتفاقاً مع العالم، لكن لم يتم تنفيذ شيء، بل إن الصعوبات بدأت تظهر. وإيران لازالت تعمل على إثارة المشكلات في الدول العربية مثل سوريا، ورفضت حضور «جنيف 2» بهدف إفشاله. ومؤخراً تم الكشف عن قائمة الجواسيس الإيرانيين في دول الخليج، مع أن روحاني وعد بتغيير سياسته. وهذه كلها مؤشرات تؤكد أن الملفات الأصعب والمرتبطة بدول الخليج تبقى أمنيات. هناك هستيريا في الحكومة الجديدة على تقديم الوعود السياسية، وخاصة مع دول الخليج، بدون تحرك فعلي على الأرض، وهذا بالطبع يعيد إلى الأذهان تجربة «خاتمي» الذي وعد هو الآخر بالتغيير، لكنه لم يستطع فعل شيء، لا للعالم ولا لدول الخليج، مع أنه بقي فترتين رئاسيتين، وكان يتمتع بتأييد كبير من الشعب الإيراني. بناء الثقة السياسية يحتاج إلى خطوات عملية، وهذا إلى الآن مفقود في التعامل مع الحكومة الإيرانية أو غير واضح على الأرض، وبالتالي تبقى تصريحات روحاني بلا فعالية أو محل شك لدى المراقبين. ندرك أن روحاني ووزير خارجيته أبهرا العالم بتصريحاتهما حول تغيير سياسة إيران مع العالم، وندرك أن نسبة كبيرة من المراقبين يقولون إن روحاني هو أفضل رئيس مر على إيران منذ الثورة، لكن هناك قلق من أن يكون مجرد تكرار لفترة محمد خاتمي. هنا تكمن الصعوبة السياسية في تقبل دعوات روحاني بسهولة. لا يمكن تلمس جدية إيران في تغيير موقفها مع دول العالم والمنطقة، خاصة في ظل وجود خطابين سياسيين يناقض أحدهما الآخر، بل إن ما يتوصل إليه فريق روحاني مع العالم ليس شرطاً قابلا للتنفيذ في الداخل الإيراني. بدون أفعال ملموسة يبقى التغيير مجرد «آمال» سياسية.