تحقق إندونسيا نمواً اقتصادياً بنسبة ستة في المئة، وعاودت الانضمام إلى صفوف الدول الجاذبة للاستثمارات بعد عقود من الفساد والقمع في ظل سوهارتو ورسخت مكانتها في العالم باعتبارها ثالث أكبر ديمقراطية في العالم. لكن عدداً كبيراً نوعاً ما من الإندونيسيين يتذكرون سنوات سوهارتو بحنين لدرجة أن حزبه «جولكار» يأمل أن يستعيد السلطة في الانتخابات المقبلة. و«جولكار» ليس الحزب الوحيد الذي يحاول أن يستغل الحنين إلى ماضي الرجال والنساء الأقوياء، فحزب المؤتمر الهندي يستدر أي شعور جيد متبقي عن فترة نهرو وغاندي في الفترة بين (1947 و1989) لتعزيز مكانة الوريث المحتمل الذي يفتقد للبريق راؤول غاندي. حتى في الوقت الذي يسعى فيه الرئيس الصيني شي جين بينج لتطبيق إصلاحات في السوق، فإنه ما زال «يبجل» الأيقونة الشيوعية ماو تسي تونج (1949- 1976). والتايلانديون يمزقون اقتصادهم بدلاً من قطع الدعم عن رجل الأعمال البارز «تاكسين شيناواترا»، الذي شغل منصب رئيس الوزراء بين عامي 2001 و2006 وعن شقيقته «ينجلوك»، والكثير من الماليزيين يحنون إلى أيام الازدهار الاقتصادي في عهد رئيس الوزراء مهاتير محمد (1981-2003). واليابانيون مستغرقون في النزهة الخطيرة لرئيس حكومتهم شينزو آبي في طريق ذاكرة التاريخ العسكري لليابان. فما الذي يعبر عنه هذا الحنين إلى الماضي؟ أشواقنا للماضي تنم عن أننا نتخبط في أيامنا الحالية ونفتقر بشدة لقيادة صاحبة بصيرة. ونعيش حالياً حقبة مضطربة يتحول فيها ما لم يكن متخيلاً إلى حقيقة واقعية. فالولايات المتحدة أصبحت دولة نامية مرة ثانية، وأوروبا تطالب الصين «الفقيرة» بأن تنقذ أسواق ديونها، والبنوك المركزية أصبحت إسلامية بمعدل فائدة بلغ صفراً في كل مكان والتجارة الحرة التي رفعت ذات يوم مستويات المعيشة تغذي حالياً الفقر. والجميع ببساطة يريدون القفز من هذه العربة المجنونة. وهذه مشكلة اقتصاد عالمي ديناميكي يجدد نفسه دوماً. ومن الطبيعي أن نتطلع إلى عالم أقل جنوناً لكن النظر إلى الماضي بحثاً عن حلول سياسية يفاقم التراجع الاقتصادي. وما لم تكتشف الأمم نفسها من جديد وتخطط للمستقبل الآن فأنها ستتخلف. وعلى امتداد آسيا هناك الكثير جداً من الأمثلة عن شعوب ما زالت مقيمة على وجهات نظر عفا عليها الزمن. فقوى العولمة لن تبطيء الخطى كما تتمنى بعض الدول. ولن يتوقف أكبر تدفقات الهجرة في التاريخ، ولا الإيقاع الذي يصيب بالدوار للتكنولوجيا ولا الحاجة للمنافسة مع الجيران مع الحاجة إلى التعاون معهم. ولا التأثيرات الفتاكة لتغير المناخ. هذه هي ببساطة ظروف عالمنا. وفي غمرة مثل هذا الاضطراب، فعلى الموجودين في موقع القيادة أن يحملوا شعوبهم على النظر إلى الأمام. وعليهم أن يأتوا بحلول مبتكرة دوماً ويدعموا الحوار بشأن أفضل الطرق لاستغلال التطورات العالمية وينجحوا في إدارة مجتمعات تعددية. وعندما يبدأ المواطنون في النظر إلى الماضي لاستمداد الإلهام، فعلى قادة الحاضر أن ينتبهوا وأن يبذلوا جهداً أكبر. والحنين إلى الماضي يتعلق بثقافة الناتج المحلي الإجمالي التي بدأت في اليابان. فصعودها السريع من رماد الحرب العالمية الثانية، رفع سقف الآمال لدى الزعماء من كوريا الجنوبية إلى إندونيسيا. والذكريات الوردية عن فترة صعود مشابهة لازدهار اليابان بعد الحرب في ظل الرئيس الكوري الجنوبي « تشونج هي» (1961-1979)، ساعدت ابنته «بارك جيون هاي» على الوصول إلى منصب الرئاسة. وتوق اليابانيين الشديد إلى العودة إلى سنوات ازدهارهم جعلهم مستعدين لأن يتغاضوا عن النهج القومي والسياسة الخارجية الرجعية التي يتبعها رئيس الوزراء شينزو آبي. وذاك الوله بمهاتير محمد الذي يسود ماليزيا يستحضر صورة أيام كان إجمالي الناتج المحلي مرتفعاً هناك أيضاً. لكن النظام الانعزالي لاتخاذ القرارات الإيجابية بكل السبل الممكنة، وفكرة الأبطال القوميين، ونظام الدعم الاقتصادي الكبير الذي أشرف عليه مهاتير محمد، هي ما تثقل كاهل الاقتصاد حالياً. كما أن الزعيم الماليزي أحرج بلاده على المسرح الدولي بعباراته المناهضة للسامية. فعلى الماليزيين أن يجدوا إلهاماً جديداً بالنظر إلى الأمام وليس إلى الخلف في التسعينيات. والشيء نفسه يصدق على بقية أنحاء المنطقة، فالسنغافوريون يحاولون تحقيق التوازن بين تدفق الهجرة المفتوحة التي حفزت النمو وبين تصاعد التوترات الاجتماعية وعدم العدالة، ولن يجدوا حلولاً بحملقتهم في الأيام السعيدة لرئيس الوزراء لي كوان كيو (1959-1990). فهم يحتاجون تحديد هوية جيل جديد من الزعماء التقدميين ودعمهم. ولا أحد في الحقيقة قلق من عودة السياسيات الاقتصادية الكارثية لماو في الصين. لكن ما لم تتوقف بكين عن التظاهر بأن القائد العظيم ما زال يهدي إلهامها وتزيل صورته من على بوابة تيانامين في وسط العاصمة، فإنه سيظل يتمتع بالمشروعية العالمية التي يتوق إليها. وثبتت خطورة التفكير المليء بالأسى لرئيس وزراء اليابان بشأن الزمن الذي كانت فيه بلاده قوة عسكرية كبيرة ولم يكن دستورها من صنع الأميركيين، وكانت جرائم الحرب للزعماء السابقين لا تثير غضب الجيران. ففي مرحلة ما، سيتعين على اليابانيين أن يسألوا أنفسهم عن مساحة المناورة التي يسمحون بها لرئيس وزرائهم كي يستطيع إحياء النمو الاقتصادي الذي ما زال موضع شك. وآسيا ليست الوحيدة في هذا المضمار، فالنمو الاقتصادي البطيء الذي تعاني منه الولايات المتحدة في عهد أوباما جعل البعض يحنون إلى حطام أيام بوش الابن. ودفعت أزمات أوروبا الكثيرة وضعفها التنافسي الناخبين في برشلونة وميلانو أن يشعروا بالحنين لعهد ما قبل «اليورو». وبما تبررون البقاء الدائم لفلاديمير بوتين في روسيا؟ التفكير في الماضي يساعد البشرية على تفادي تكرار الأخطاء. لكن النظر للماضي بعدسات وردية يشجع على ظهور سياسات وقيادات لم تعد صالحة لآسيا التي تتغير سريعاً. فكلما تاق الناخبون إلى العودة إلى الماضي كلما عانوا في المستقبل. وليام بيسيك محلل سياسي واقتصادي مقيم في طوكيو ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»