لم يكن حتى أكثر الحالمين والمتفائلين يحلم بأن ينجح مؤتمر جنيف-2 حول الأزمة السورية بين وفدي النظام السوري من جهة والمعارضة التي تبقى مجزأة ومتشرذمة وزادتها مخاضات الأزمة شقاقاً وفرقة من جهة أخرى.ودخلت على الخط الميليشيات المتطرفة التي غذى ويغذي بعضها النظام نفسه،والتي يقتات بعضها الآخر على زيادة حدة العنف واستهداف مكونات المجتمع السوري كرافعة لدورها وأنشطتها! وفي عالم التفاوض ومهاراته، والدبلوماسية وأنواعها وأشكالها الذي ندرسه في الجامعة لطلبة قسم العلوم السياسية، نقدم معايير واضحة وشروطاً محكمة يجب توافرها كأرضية لنجاح أي عملية تفاوض بين طرفين متخاصمين ومتحاربين. وهناك ثلاثة شروط يجب توافرها للنجاح في عملية التفاوض: الأول: يجب توافر الثقة بين الطرفين، ووجود أرضية ومرجعية يتم الاتفاق عليها كإطار للتفاوض،وأرضية مشتركة حتى لا يغرق الطرفان في التفاصيل وتنحرف عملية التفاوض. ثانياً: توافر القابلية عند الطرفين لتقديم تنازلات ملزمة لهما حتى تكون هناك فرصة لنجاح التفاوض.ولن تنجح أي مفاوضات إذا بقيت المعادلة صفرية بين الطرفين المتفاوضين. أو إذا كان طرف واحد مستعداً للتفاوض بينما الطرف الثاني متعنت ورافض لتقديم أي تنازلات. أو يستخف بالطرف الآخر ويشكك في شرعيته ودوره. ثالثاً: أن يُنظر للطرف الذي يرعى ويشرف على التفاوض، وكذلك الوسيط في المفاوضات لدى الطرفين المتنازعين اللذين يجلسان على طاولة المفاوضات، بأنه وسيط محايد وليست لديه أية أجندة خاصة،أو يُنفذ أجندة طرف أو فريق ثالث.. وكذلك أن يكون الطرف الثالث ذا مصداقية وسجل حافل بالمصداقية والثقة والقدرة على الإبداع وتقديم مبادرات وحتى تقديم دعم مالي لتقريب وجهات النظر على شكل إعادة الإعمار والمساهمة في مشاريع التنمية خاصة في الدولة التي تعرضت لأضرار كبيرة بسبب الحرب والعمليات العسكرية. وإذا طبقنا المعايير الثلاثة سالفة الذكر كإطار عملي لمفاوضات جنيف-2 في الأزمة السورية في جولتها الأولى التي جرت من 22 يناير إلى 31 يناير 2014،أو في جولتها الثانية التي يتوقع أن تبدأ اليوم، فإنه لا يوجد تفاؤل في تحقيق الاختراق. وكان ذلك واضحاً حتى قبل أن تبدأ المفاوضات وأثناءها. ولهذا السبب لم يتفاجأ أحد بفشل الجولة الأولى! ومن الجلسة الافتتاحية في مونترو والمفاوضات التي غاب عنها وزير الخارجية السوري وليد المعلم كان يمكننا التنبؤ حتى قبل بدء المفاوضات بأنها عقيمة وستكون أقرب إلى حوار صم وطرشان، وذلك لغياب الأرضية العملية والجوامع المشتركة. وخاصة برفض كل من المعارضة والنظام الاعتراف بشرعية الطرف الآخر، والغرق في تفاصيل وقضايا إنسانية، كالممرات الآمنة ورفع الحصار، ومع أهمية هذه المحاور إلا أنها لم تكن هي المرجعية والهدف الرئيسي للتفاوض في جنيف-2. كما أن راعيي المؤتمر وهما الولايات المتحدة وروسيا أظهرا تبايناً وخلافات في مواقفهما تجاه الأزمة السورية، وفي قراءتهما لسقف أهداف جنيف-2، وحول من المتسبب فيما يجري في سوريا. وكذلك غياب إيران بعد سحب الدعوة التي وجهت إليها من الأمم المتحدة لرفضها الاعتراف بمرجعية جنيف-2، حيث طالبت بالمشاركة من غير شروط مسبقة.وقد ساهم الغياب الإيراني في فشل المفاوضات. ما يجعل إيران رابحاً ومستفيداً من فشل جنيف-2 بسبب عدم مشاركتها وعدم ضغطها على نظام الأسد، ما قد يدفع الأطراف المعنية للعودة إلى إيران، ويمكن أن تطلب منها المشاركة أو الاستئناس برأيها وهي التي تسعى على الدوام للعب دور الإطفائي والوسيط الذي يقدم نفسه كمرجعية لحل أزمات الشرق الأوسط.. ونتوقع أن يتعاظم دور إيران لما تملكه من حضور ودور ودالة على نظام الأسد الحليف الاستراتيجي لطهران، ولدورها في بقاء هذا النظام في السلطة خلال السنوات الثلاث الماضية. ولذلك لم يكن أحد من الباحثين والمطلعين على الشأن السوري يتوقع تحقيق اختراق في التفاوض في جنيف-2 بين طرفين متناحرين متناقضين وكل طرف منهما يشكك في شرعية الطرف الآخر، ولا توجد أرضية ومرجعية وأولويات وإطار للمفاوضات... وخاصة أن هذه المفاوضات استمرت تتحرك على إيقاع المعادلة الصفرية بين الطرفين المتناحرين. فبدأت مفاوضات جنيف-2 وانتهت ولم تنجح حتى في وقف إطلاق النار كهدنة مؤقتة، ولا إيصال المساعدات الإنسانية ورفع الحصار وإقامة ممرات آمنة... ولذلك كان الفشل هو العنوان العريض والمتوقع كحصيلة، بل إن العالم بأسره شاهد على الهواء مباشرة التخوين والتشكيك وانحدار لغة الحوار التي وصلت إلى التهديد والوعيد بطريقة «بلطجية» يتقنها ويمارسها خاصة النظام السوري ووفده المفاوض. كيف يمكن أن تتعامل مع طرف يؤمن رئيس الوفد المفاوض الرسمي باسمه، وليد المعلم، بأنه لا توجد معارضة معتدلة في سوريا، بل جماعات إرهابية؟ ويحمّل وفد الائتلاف الوطني السوري مسؤولية فشل المؤتمر دون أن يتحمل جانب النظام أي مسؤولية في انفصام كامل عن الواقع! كما حمّل وزير خارجية النظام السوري ورئيس الوفد المفاوض أيضاً مسؤولية الفشل للطرف الآخر (المعارضة) بسبب ما سماه عدم النضج والأوهام التي يعيشونها والتعنت وإصرارهم على موضوع واحد على حد اتهام المعلم. كذلك قدم المعلم سبباً ثانياً لفشل المفاوضات في نهاية الجولة الأولى منها في جنيف-2 متهماً الولايات المتحدة بالتدخل في تسيير الطرف الآخر! والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم بعد تحديد موعد الجولة الثانية من مفاوضات جنيف-2 بمشاركة الطرفين -النظام والمعارضة- على أي أرضيه ستبنى المفاوضات، وعلى ماذا سيتم التفاوض، ولماذا الجولة الثانية؟ خاصة أن أهم إنجاز حسب الأخضر الإبراهيمي وبعد 10 أيام من التفاوض والاتهامات والوعد والوعيد، كان اعتراف وفد النظام بمرجعية جنيف-1 ولكن حسب تفسيره هو لها، مع مناقشتها بنداً بنداً! واضح أن هناك غياب ثقة بين الطرفين، وواضح أن هناك اقتناعاً لدى النظام السوري بأن جنيف-2 لا تعني رسم خريطة طريق لمرحلة ما بعد الأسد. وهذا ما يُصر عليه النظام السوري وحلفاؤه وخاصة روسيا وإيران و«حزب الله». أما المعارضة وحلفاؤها في الدول العربية والولايات المتحدة وتركيا، فهدف المفاوضات، على لسان أحمد الجربا، رئيس الائتلاف السوري المعارض، هو تشكيل هيئة انتقالية، ولا مكان للأسد في مستقبل سوريا. والتحدي اليوم في ظل المعادلة الصفرية التي ترى في كسب طرف خسارة كلية للطرف الآخر، هو في كيفية جسر الهوة وتضييق الفجوة بين الطرفين. وهذا هو تحدي الجولة الثانية لجنيف-2 اليوم.. ومرة أخرى كحال العديد من الأزمات العربية، فالحل ليس في دمشق ولا في إسطنبول مقر المعارضة.. بل في عواصم صنع القرار الدولي كواشنطن وموسكو وطهران بالدرجة الأولى... وقد رأينا ذلك بقبول النظام إجلاء المدنيين عن حمص القديمة، وتقديم الأغذية لمخيم اليرموك في دمشق. إذن الحل يبدأ من تلك العواصم وليس في إضاعة الوقت والفرص في مؤتمرات ولقاءات عقيمة يترأسها مبعوث عربي ودولي في جيناته تفاؤل دائم ولا يعرف قاموسه ولو في أحلك الظروف معنى الفشل أو حتى الإقرار به حتى بعد استقالة نائبه ناصر القدوة! ولكن التوتر الملفت في الملف السوري هو في نبرة وزير الخارجية الأميركي جون كيري وهو ما سنعلق عليه في مقال قادم إن شاء الله.