بعد الحوادث الأخيرة في المنطقة العربية، وبعد ظهور موجات الغضب والكراهية والتلاسن الحميد وغير الحميد، وبعد تكرار موجات العصبية والتعصب، واللجوء إلى القوة في فضّ الحوار في العديد من البلدان العربية، كان لابد وأن تلتفت «عيون الحقد» إلى منطقة الخليج الآمنة، والتي تعيش شعوبها في رغد من العيش. وكما نقول في المثل الخليجي (كافة وعافة)، تلتفت تلك العيون لتخريب «الهارموني» الجميل الذي درج عليه أهل الخليج في تعاملهم مع قوت يومهم ومع علاقاتهم بحكامهم! ولكأن هذه المنطقة– رغم ما قدّمته للآخرين وقت المحن وما زالت تقدمه – محسودة، ولا بد من تخريبها! لقد عاش أجدادنا هنا أيام العُسر، وعانوا غضبَ الصحراء وعنفَ البحر، وكانوا يعتمدون على الله وحده في أن يحفظ عيالهم وأمنهم، وكان الحاكم الملاذَ لهم عندما يَشجُر بينهم خلاف! وكانوا يرضون بحُكمه، ولم تكن لديهم أحزاب أو جماعات «يُحكّموُنَها» في أمورهم. وكانت عندهم النية الصالحة، ويقدِّمون الكلمة الطيبة، وكانوا بسطاء في التعامل مع بعضهم البعض ومع الآخر. يختارون الكلام الطيب ويؤثرون المعاملة الحسنة، وكانوا بعيدين عن دائرة الاهتمام من الآخرين من الأشقاء حتى جاء النفط، وبدأت الحياة تتغيّر والأمور تترَّتب، فانتشر التعليم وقامت المستشفيات وتعبَّدت الطُرق الصحراوية، واستقرت الجماعات المُرتحلة في بيوت آمنة ونظيفة، وتوافرت أساليب الحياة العصرية، ودخلت الكماليات بشكل واضح في الحياة، وبدأ الخليجيون يجوبون البلاد العربية والأوروبية بفعل حالة الرفاه التي وفرتها الدولة الحديثة. كما لم تعرف المنطقة – حتى خلال العهد النفطي الأول في الخمسينيات وما بعدها – أية اتجاهات أو انحرافات في التفكير، وكان الدين لله - وحده - دون الحاجة لأحزابٍ أو جماعات، وكانت المنابر تدعو إلى إصلاح الحياة والتوجه للخالق عز وجل وإلى مكارم الأخلاق، دون التدخل في شؤون الآخرين من البلدان الشقيقة. بعد ثورة الخميني في إيران، بدأت أولى بوادر «التحريض»، وظهرت سلوكيات شاذة في تفكير البعض ما «لوّثَ» الصورة الجميلة التي درجنا عليها، ذلك أن إيران بدأت تلوّح بتصدير الثورة، وما كان شعب الخليج بحاجة إلى ثورة بعد تَصالحهِ مع حكامه! وبعدها ثارت قلاقلُ هنا وهنالك على أُسس أيديولوجية وعقائدية، في الوقت الذي انحسر فيه «المد الثوري» بتلاشي بعض القوى المحدودة التي اتبعت المدَّ الماركسي في الستينيات. وظلت القضية الفلسطينية الشُغلَ الشاغل لأهل الخليج – مواطنين وحكاماً – ولم تكن هنالك قضية أخرى تشغلهم. بعد الحرب العراقية الإيرانية وغزو العراق لدولة الكويت، ظهرت بعض الأصوات المُطالبة برفض الشعارات البراقة التي ارتفعت في سماء المنطقة، وكانت بعيدة عن دائرة الدين وعن قيم المجتمع ، وأنكر كثيرون انتماءَهم وإيمانَهم بفكرة القومية العربية التي وأَدها صدام حسين! كما تلاشت تلك الشعارات بعد سقوط بغداد عام 2003 ، حيث بدأت مرحلة «الانتقام» الشيعي السني، وما زالت حتى اليوم. ثم بدأت موجات «الربيع العربي» لتقلبَ الكراسي من تحت الحكام المُستبدين، وليمسك الشعب زمامَ الأمور! ولكن للأسف، ورغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على ذلك، وجدت تلك الشعوب الثائرة ثورتها إما «مخطوفة » من قبل بعض الجماعات، وإما أن من قام بالثورة لم يكن لديه خريطة طريق للسير نحو الديموقراطية المنشودة، فصار أن أطلّتْ القبلية بوجهها السافر – كما حدث في ليبيا واليمن – وبرزت الطائفية كما حدث في العراق وسوريا ومصر. وعانت تلك الشعوب مواجهات دموية ما زالت متواصلة حتى اليوم، حدث كلُ ذلك خلال ثلاث سنوات، وشعوب الخليج في منأى عن ذلك التدمير في العقول وفي البيوت وتخريب المؤسسات والبنى التحتية في البلاد بأيدي أهلها، بل وقام النظام البوليسي الذي كان يجب أن يحمي البلاد وأهلها في بعض هذه الدول – بالتواجه مع الشعوب المطالبة بالحرية، وبعد فترة بدأت «بوادر» تصدير الأفكار التخريبية إلى دول الخليج العربي، وكان ذلك عن طريق الإعلام ، مع اعترافنا بوجود تضارب في وجهات النظر بين فئات محددة في المنطقة، برزت في الكويت وشرق السعودية والبحرين، ولكن لم يتدخل أحد في الشؤون الداخلية لهذه البلدان، رغم وجود مجلس التعاون، وتُ ركَ الأمرُ للدول لمعالجة ما يجري على أرضها. وبدخول وسائل التواصل الاجتماعي، بدأت أفكار التحريض والدعوة إلى الكراهية والتخوين، وأيضاً القذف ورفض الآخر حتى من فوق بعض المنابر وفي الصحف الخليجية للأسف. كما قام بعض أبناء الخليج – للأسف – بتبادل الاتهامات من أجل الآخرين، ودخلوا في قضايا لا تخصُّهم، وهذا ما أوجد سوءَ فَهمٍ بدأ ينتشر في أوساط الشباب المتحمس وفي أوساط الصحفيين الصغار. نحن نقول: لا نريد أفكاراً جديدة ومثيرة، نريد ذات الأفكار البسيطة التي حملها أجدادنا وآباؤنا والتي لا تخرج عن قيم الدين السامي والمتسامح، دون أن ندخل في دوائر الفِرق والنِحَل والتي لا تقود إلاّ إلى العنف وشقِّ الصف! ونريد أن تكون علاقتنا– كلنا– وطيدة ومتينة مع الخير والإعمار ونجدة الملهوف. ونريد أن نبني أوطاناً آمنة لأولادنا وأحفادنا، نريد مدارس ومستشفيات وطرقاً حديثة، ولا نريد أن تصل أيادي العبث لتحرق هذه المنشآت كما يحدث في البلدان المنكوبة والتي ناصرَها أبناؤها العداء. نريد «كلمة سواء» فيما نختلف فيه، ولا نريد أن تجرّنا «النخوة» المُزيفة لأن نفقد أخواننا، أو نصبَّ جام غضبنا عليهم بمجرد أننا نختلف معهم في وجهات النظر. نريد لمنطقتنا أن تكون بمنأى عن كل الأحزان وأصابع اللاعبين بالنار وعازفي أغاني العنف والكراهية، لأننا عشنا في خير، ونريد أن يعيش أولادنا في خير، ويعمُّ خيرنا على الجميع دون منّة. ندعو إعلاميينا في الخليج إلى توخي الحذر، وعدم الإنجرار وراء ما يحدث في البلدان المنكوبة، فنحن ما زلنا نريد الغد المشرق لبلداننا، والأمن والأمان لأهلنا ولمن يعيش على هذه الأرض، ونريد العدالة والتسامح لكل البشر، فقط (اتركونا وشأننا)!