البيان الصادر عن قمة منظمة المؤتمر الإسلامي التي انعقدت في ماليزيا، كان عاماً، وصيغ بعبارات فيها من الدبلوماسية مناورتها ومن اللغة قدرتها على أن تكون حمّالة أوجه، وكان بهذا وذاك أقل بكثير من أن يستجيب لطموحات الشعوب الإسلامية التي تعلق على المنظمة من الآمال ما يرتفع سقفه أحياناً، ويتقلص أحياناً أخرى حسب الظروف والأحوال، وإمكانيات الدول الأعضاء في المنظمة·
والحقيقة أن البيان كان على رغم كل شيء معبراً عن خط المنظمة، التي أنشئت في الرباط 25/9/1969 استجابة لتحدي الاعتداء الصهيوني على المسجد الأقصى، فقد ظلت المنظمة محافظة بوفاء على خطها العام ( المحايد)، تاركة كل القضايا الحساسة ومناطق الاحتكاك الملتهبة، وجراح الأقليات الإسلامية في البلقان وغيرها، لمنظمات أخرى، فلم تتدخل في الصراعات العربية تاركة ملفاتها لـ( الجامعة)، ولم تتدخل كذلك في حروب الدول الأفريقية، فمنظمة الوحدة الأفريقية هي ( صاحبة الاختصاص)، أما ما عدا ذلك فمن اختصاص هيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي· ولو أنعشنا الذاكرة قليلاً، فلربما تذكرنا الدور شبه ( المحايد) تماماً لمنظمة المؤتمر الإسلامي في مختلف زلازل المنطقة، ابتداء من الحرب العراقية-الإيرانية وانتهاء بغزو دولة الكويت والعدوان عليها·
أعرف أن الكلام قاس هنا على أداء منظمة بذلت على رغم ذلك الكثير، خاصة في الدفاع عن صورة الإسلام والمسلمين في وجه حملات التشويه، وأعرف أيضاً أن في بعض ما نأخذه على المنظمة من محدودية في الأداء والفاعلية نقطة إيجابية تحسب لها، حيث ابتعدت في غالب الأحيان عن لغة العنتريات الحادة التي عرفت بها بيانات الجامعة العربية ومنظمات إقليمية أخرى، فلم تعلن أنها ستحرر القدس ( بالخيل والليل والبيداء)··· ولم تشكل لجاناً للصمود والتصدي والتحدي إلى آخر القائمة··· ولكن أداء منظمة المؤتمر الإسلامي وفاعليتها على الساحة الدولية ما زال يحتاج من القوى والدول الفاعلة في المنظمة إلى إعادة ترتيب وصياغة للأهداف والتوجهات، لأن المنظمة لا يمكن أن تبقى هكذا إلى الأبد، لا هي آلية للتعاون الاقتصادي الدولي الإسلامي، ولا هي حلف عسكري، ولا هي كتلة فاعلة ومؤثرة على الساحة الدولية بما فيه الكفاية·
إن عمومية توجه المنظمة دفعت قوة عظمى كروسيا لديها جراح إسلامية نازفة إلى السعي للانضمام إلى المنظمة، وبعد روسيا سيأتي الدور على الهند والصين، وربما فرنسا التي تعُدّ بين مواطنيها خمسة ملايين مسلم، ثم لماذا لا الولايات المتحدة بملايينها من المسلمين، وستنضم دول أخرى··· إلى ما لا نهاية· وعلى رغم إيجابية هذا التوجه، إلا أن ضوابط محددة للانضمام إلى المنظمة لابد من الإسراع بوضعها على نحو واضح وعملي·
ولعل أكثر ملفين أولتهما المنظمة اهتماماً هما قضية القدس التي تدين لها أصلاً بوجودها وشكلت من أجلها لجنة وصندوقاً لا أكثر، ومسألة الغزو السوفييتي لأفغانستان، والنتيجة في كلتا الحالتين معروفة، ولم تخرج في مطلق الأحوال عن إصدار البيانات العامة، والدعوات الصالحة، وهذا ما يدعو حقاً إلى إعادة التفكير في آليات عمل المنظمة، وبنيتها، وتوجهها العام إن كان يراد لها البقاء والاستمرار .