ما الذين يجعل بعض الأشخاص يتحولون إلى التطرف؟ هذا السؤال قد يبدو تبسيطاً لمشكلة معقدة ومركبة، ولكنه في صميم الجهود الرامية لمنع حدوث هجمات إرهابية. ولنلق نظرة فيما يلي على بعض الأشخاص الذين حاولوا إيذاء الأميركيين خلال السنوات القليلة الماضية. عمر فاروق عبد المطلب، ابن مصرفي غني، نشأ في نيروبي، ودرس في مدرسة داخلية وكلية، وعاش في حي سكني راق في لندن. ما كان ينشره على غرف الدردشة يُظهر أنه كان قلقا بشأن امتحاناته المدرسية والفتيات – وأنه كان يشعر بالوحدة. سافر إلى اليمن بين المدرسة الثانوية والكلية من أجل دراسة اللغة العربية؛ ويصفه زملاؤه بكلية لندن الجامعية بأنه شخص هادئ يسهل تجاهله. وقد حاول عبد المطلب تفجير متفجرات كانت مخبأة في ملابسه الداخلية على متن رحلة شركة «نورثويست إيرلاينز» رقم 253 يوم عيد الميلاد المسيحي 2009. نجيب الله زازي، وُلد في أفغانستان في 1985، وعاش في باكستان قبل أن ينتقل إلى نيويورك رفقة عائلته عندما كان في سن الرابعة عشرة. تردد زازي على مسجد محلي وانقطع عن الدراسة في مدرسة فلاشينج الثانوية، ثم عمل في عربة بيع القهوة والكعك المحلي التي كانت تملكها عائلته بالقرب من شارع وول ستريت. وفي السنوات الأولى من العشرينيات، سافر إلى باكستان من أجل الزواج، فأنجب طفلين، ثم عاد إلى نيويورك للعمل، ولكنه انتهى به الأمر إلى الغرق في الديون. وقد حاول زازي الانضمام إلى طالبان في 2008؛ ولكن «القاعدة» نجحت في تجنيده بدلا من ذلك. وفي 2009، توجه إلى نيويورك قادما إليها من كولورادو وبحوزته مكونات لصنع قنبلة كان ينوي تفجيرها في قطار الأنفاق في نيويورك. تامرلان تسارناييف كان شاباً غاضباً، وقد أخبر والدته، حسب صحيفة «بوسطن جلوب»، بأنه يسمع أصواتاً في رأسه. لم يتمكن أبداً من تحقيق فكرته الخاصة عن الحلم الأميركي، فتحول إلى شكل متشدد من الإسلام يتبناه المقاتلون في داغستان، موطنه الأصلي. وفي 2013، اتُّهم تسارناييف وشقيقه بالوقوف وراء التفجير الذي استهدف ماراثون بوسطن. هذه النبذ تُظهر أن الانتقال من الأفكار المتشددة (التي تعتبر محمية بمقتضى الدستور الأميركي) إلى الرغبة في الانخراط في العنف عمليةٌ فردية لحد بعيد؛ إذ لا توجد طريقة واحدة للوصول إلى ذلك، ولا معتقد معين يجعل شخصاً ما يتحول إلى العنف. كما أنه من الصعب أيضا فصل المشاكل النفسية عن الدوافع السياسية. ثم إذا أضفنا الإنترنت إلى المشكلة – وهي وسيلة مثالية لتأجيج مشاعر الغضب – نصبح أمام تحد كبير حقا. وقد قامت الحكومة الأميركية بتحديد بعض «العوامل» المساعدة، مثل الأنماط الاجتماعية والاقتصادية؛ غير أنه من شبه المستحيل تحديد الأشخاص المضطربين الذين يتحولون إلى العنف. وعليه، فإنه لا توجد خارطة طريق من أجل تحديد الأفراد الذين سيصبحون عنيفين بشكل واضح؛ وبدلاً من ذلك، علينا أن نستعمل أفضل الوسائل المتاحة للتصدي للرسائل التي تحاول نشر التطرف ولبناء جسور مع الفئات التي يسهل تأثرها بها. ولعل توضيح الخطاب بشأن القيم التي تمثلها الولايات المتحدة وتدافع عنها هو المهمة الأولى. فحتى الآن، يبدو أننا نواجه صعوبة في إقناع الناس بذلك؛ غير أن الجهود الأخيرة لوزارة الخارجية الأميركية تبدو واعدة، حيث يقوم «مركز الاتصال الاستراتيجي لمحاربة الإرهاب» بصياغة رسائل على الإنترنت للتصدي للإرهاب والطلب من الشباب النأي بأنفسهم عن المجموعات الإرهابية. ولعل أفضل ما جاء في هذا البرنامج هو تيسير الإجراءات البيروقراطية الطويلة والمعقدة وتبسيطها: ذلك أن الفريق لم يعد مضطراً الآن للحصول على موافقة قبلية على الرسائل، بل يستطيع الرد على ما ينشره المتطرفون أولاً بأول باستعمال وسائل التواصل الاجتماعي. والأكيد أن هذا النوع من التفاعل المباشر والعابر للحدود أساسي ومهم؛ غير أنه لوحده غير كاف للفوز في «الحِجاج» مع الجيل المقبل من الإرهابيين. ولذلك، فإننا في حاجة إلى السكان والشرطة المحلية ليخبرونا عندما يبدأ شخص ما في الانجراف نحو أشكال سلوكية غير قانونية. ذلك أن السكان يمثلون شكلا من التدخل الإنساني القادر على التصدي لمن يقومون بالتجنيد على الجانب الآخر. وفي الولايات المتحدة، تُعتبر العلاقات بين جهات إنفاذ القانون المحلية والجالية المسلمة موضوعاً حساساً. ففي نيويورك مثلاً، أدت العلاقة إلى ادعاءات باستهداف الملامح الشخصية للمسلمين والمراقبة غير المبرَّرة. غير أنه إذا تم القيام بذلك على النحو الصحيح، فإنه يمكن أن ينجح. وعلى سبيل المثال، فإن «ليروي باكا»، قائد شرطة لوس أنجلوس، استعمل التواصل الإيجابي مع الجالية المسلمة في أميركا لتعزيز التعاون بين المسلمين والجهات المكلفة بإنفاذ القانون. كما أن ذلك مهم للغاية في ولاية مينيسوتا، حيث توجد جالية كبيرة من الصوماليين المسلمين. فلمعالجة خوف المهاجرين من الشرطة – وهو خوف جاؤوا به من أفريقيا - نظم ضباط مدينتي ساينت بول ومينيابوليس فعاليات اجتماعية وترفيهية تم خلالها إعداد وجبات في الهواء الطلق، وذلك من أجل نسج علاقات مع أفراد الجالية، وليشرحوا لهم كيفية اشتغال الشرطة في تلك المدينتين، وهي فعاليات تساهم في نسج العلاقات وجسر الاختلافات الثقافية. وخلاصة القول، إنه يتعين علينا أن نشرح موقفنا على نحو مقنع للآخرين، ونعمل على عزل أولئك الذين يرغبون في إلحاق الأذى بنا. فالخطاب يمكن أن يلهم الناس للقيام بأشياء فظيعة، أو لمقاومة تلك الأصوات المتطرفة. أما الاعتماد على الإنترنت فقط لإيصال خطاب مضاد، فهو لا يكفي ولا بد من توظيف استراتيجيات أخرى كثيرة. جاين هارمان عضوة سابقة بمجلس النواب الأميركي ورئيسة مركز وودرو ويلسون في واشنطن ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم. سي. تي. إنترناشيونال»