عندما كذب "نيكسون" على الشعب الأميركي في قضية "ووترجيت" لم يتحمله الأميركيون وقدم استقالته غير مأسوف عليه رغم كل ما قدمه هذا الرئيس للولايات المتحدة. وهذه الإدارة الأخيرة إدارة بوش الإبن لفقت من الكذب ما يسمح بتدمير البشرية وتلويثها، وكذبت بلا مبرر لتسيطر أيضاً بلا مبرر على مقدرات شعب العراق. حتى أكذوبة أسلحة الدمار الشامل صارت فضيحة يتبادلها الكونجرس مع البرلمان الإنجليزي بلا أي حياء أو خجل. لكن الشعب الأميركي لم يتحرك إلا نفر قليل عارض وأدان هذه الفضيحة. ولو قارن الشعب الأميركي فضيحة "مونيكا" والكم الإعلامي الهائل الذي صاحبها بفضيحة أسلحة الدمار الشامل وتدمير دولة وشعب للحصول على ثرواته ولضمان تجريده حتى من السلاح الأبيض حتى يتم ترويضه تماماً بغرض حماية إسرائيل، لوجد أنه لا يوجد مجال للمقارنة وكأن هذه الفضيحة ليست للحكومة الأميركية، وذلك لأن الأميركيين منهمكون في قضاياهم الداخلية ويجهلون ما يحدث الآن على الساحة العالمية.
إذاً لماذا العراق؟ هل كانت أميركا في حاجة إلى السيطرة على العراق وهي تحيط به من كل ناحية؟ فالقوات الأميركية تحيط بالعراق من باكستان إلى أفغانستان إلى أوزبكستان إلى قيرغيزستان إلى تركيا إلى إسرائيل، ما يعني أن العراق كان في متناول القوات الأميركية قبل الغزو. ولا ننسى دور أميركا في حرب العراق وإيران والكويت أيضاً. والسؤال الملح: لماذا صرفت واشنطن كل هذه المليارات على هذه الحرب التي هي أشبه بحرب داحس والغبراء في الجاهلية وذلك لأن السياسة العالمية هذه الأيام تعيش حقاً أيام الجاهلية؟
إن هذه المليارات التي أنفقت والتي ستنفق حتى يقف العراق على رجليه المكبلتين كانت كفيلة بسداد ديون معظم الدول الفقيرة، وكانت كفيلة بأن تقيم مشروعات عمرانية في الدول التي هي تحت خط الفقر أو الدول التي تتمنى رفاهية الموت. إن هذه المليارات كانت كفيلة بتحويل العالم إلى واحة حب وسلام وكانت الشعوب ستضع كل ثرواتها طواعية تحت أرجل رسل السلام والحب من دون حرب ولا إراقة دماء. ولكن الفرصة ما زالت موجودة، فالإنسان يتعلم من المهد إلى اللحد. ولو نظر المواطن الأميركي إلى المليارات التي دفعتها حكومته من أجل هذه الحرب، لتأكد من أن المكاسب التي ستعود عليه ليست سوى توابيت إخوته ومزيداً من الدم والعداء، ولا شيء آخر سوى تأجيج الإرهاب.
د. مراد راغب حنا - أبوظبي