إن علينا أن نفخر بالجالية العربية الأميركية وبالمسلمين الأميركيين، بمختلف جنسياتهم ومشاربهم الثقافية والاجتماعية والعرقية، لكونهم يعرفون إلى أي جانب ينحازون فيما يتصل بالنزاع الإسرائيلي- الفلسطيني، وفي الإدلاء بأصواتهم الانتخابية لمن يعتقدون أنه الأكثر قدرة على التصدي لما يهمهم من قضايا. قبل أربع سنوات مضت، كانت أصوات العرب والمسلمين الأميركيين قد ذهبت بنسبة اثنين إلى واحد تقريباً، لصالح الرئيس بوش، ظنا منهم أنه سينهج نهج أبيه في إدارة البلاد وفي سياساته الخارجية. أما اليوم، ووفقاً لاستطلاعات الرأي العام التي أجرتها "مؤسسة زغبي لاستطلاعات الرأي" فإن أصوات العرب والمسلمين الأميركيين، ستذهب بنسبة 10 إلى 1 لصالح المرشح الديمقراطي السيناتور كيري، وخسارة الرئيس بوش بالطبع. ويعود سبب هذا التحول العكسي في الموقف الانتخابي، ليس إلى "قانون الوطني" الذي سنته هذه الإدارة، ورأى فيه العرب والمسلمون الأميركيون تمييزاً مفصلا ضدهم أكثر من غيرهم فحسب، بل إلى سياسات الإدارة ومواقفها التي تعبر عن انحياز صارخ لإسرائيل، بما في ذلك دعم رئيس وزرائها إرييل شارون في تشييد الجدار الأمني، والعزل الدبلوماسي لياسر عرفات.
ومما لا شك فيه أنه سوف يكون لهذا التحول الكلي في الموقف الانتخابي لكتلة انتخابية نامية، أثره على مجرى العملية الانتخابية. فعلى سبيل المثال يعيش في ولاية ميتشجان حوالي نصف مليون عربي، وفقاً لإحصاءات المعهد العربي الأميركي، وقد تحول معظمهم إلى موقف معادٍ بقوة للرئيس بوش. ولهذا السبب فإن مؤسسات استطلاعات الرأي تميل إلى تصنيف ميتشيجان، بأصوات مناطقها الناخبة السبع عشرة، باعتبارها ولاية مؤيدة لكيري في معظمها. ولكن ماذا عن تلك المجموعة الانتخابية ذات المصلحة الخاصة في وضع حد لتلك الحرب التي شنت على الإسرائيليين عقب رفض عرفات لتلك الصفقة التي توسط فيها الرئيس الأسبق بيل كلينتون؟ فالناخبون اليهود يختلفون بالطبع عن نظرائهم العرب والمسلمين. ويستطيع المرء أن يستنتج ظاهرياً، أنهم سوف يدلون بأصواتهم لصالح الرئيس بوش، الذي يرى فيه كل اليهود، صديقهم الأفضل على الإطلاق، في البيت الأبيض. غير أن استنتاجاً كهذا سيكون في غاية التضليل. فقبل أربع سنوات، حصل المرشح بوش- حينها- على 20 في المئة من جملة أصوات الناخبين اليهود –أي على حوالي نقطة تقارب الحد الأدنى لأي مرشح رئاسي جمهوري آخر. تاريخياً كان المرشح الأسبق "جولدووتر" قد حصل على نسبة 5 في المئة من أصوات اليهود، بينما حصل رونالد ريجان على نسبة 39 في المئة من أصواتهم. ويبدو اليوم أن بوش سوف يحصل على نسبة أعلى بقليل من تلك التي حصل عليها المرشحان الجمهوريان السابقان. فعلى الرغم من دعم بوش الثابت للإجراءات والسياسات الأمنية المشددة التي انتهجتها إسرائيل، واعتراضه أو شجبه بين الحين والآخر، لمشروعات القرارات غير المتوازنة التي تصوت عليها الأمم المتحدة بحق إسرائيل، إلا أن المرجح أن هناك مجموعة من اليهود، سوف تصوت ضده بنسبة 8-10 ككتلة انتخابية موحدة. ولكن لماذا؟ ألم يفعل بوش لليهود كل ما يريدونه في إسرائيل؟
إن إحدى الإجابات على هذا السؤال -إحداها فحسب- هي أن معظم اليهود الأميركيين، يبنون موقفهم الانتخابي، ويدلون بأصواتهم اعتمادا على قضايا مثل العدل الاجتماعي، الحريات المدنية، تكافؤ الفرص الاقتصادية، وما إليها من قضايا داخلية، أكثر من اعتمادهم على ما قد يبدو جيدا لصالح إسرائيل فحسب. يصدق هذا أكثر ما يصدق، حين تكون الديمقراطية الإسرائيلية، ندا حقيقيا للديمقراطية الأميركية، التي يبدو فيها الصدع واضحا بين حمائم السلام والصقور. واليوم فإن أغلبية كبيرة من المواطنين الإسرائيليين واليهود الأميركيين، تقف وراء خطة شارون الخاصة بالانسحاب من قطاع غزة، مما يعني إخلاءها من نحو 7000 مستوطن إسرائيلي. ذلك أن إسرائيل تواجه ضغوطا أمنية داخلية حادة، بسبب تعنت مجموعة صغيرة من المتشددين اليمينيين، الذين يتمسكون برفضهم البات، للانسحاب شبراً واحداً عما يسمونه أرضاً مقدسة في مستوطناتهم. ويدعو بعض الزعماء التلموديين أفراد الجيش الإسرائيلي علناً، لعدم الانصياع لأوامر قيادتهم، فيما يتعلق بتنفيذ خطة الانسحاب التي يقدم عليها شارون. وفي نظر هؤلاء أن من شأن خطة الانسحاب هذه، تمزيق أوصال ونسيج المجتمع اليهودي، بل وتفتيت دولته نفسها. ولهذا السبب، فإن إسرائيل أحوج ما تكون اليوم إلى حليف، وليس إلى مجرد وسيط دولي.
يذكر أن السيناتور جون كيري، كان في الآونة الأخيرة قد ردد أصداء ما يقوله خصمه بوش عن دعمه لخطة الانسحاب التي أعلنها شارون. غير أن بوش وليس كيري، هو الذي استطاع أن يحقق لنفسه سجل أربع سنوات من الدعم المتواصل لحق إسرائيل في الدفاع عن نفسها وأمنها. وتمكن بوش من استقطاب ثقة الإسرائيليين في وقت كانت فيه إسرائيل كما سبق القول، في أمس الحاجة إلى حليف قوي، في مقدوره أن يجعل من تلك الخطة الشارونية أمراً ممكناً، إلى جانب مد يد العون في