إذا ما حدث فكر، وعبر المفكرون عنه فإنه يكون تبريراً لا نقداً، ومباركة للخطوات التي تمت لا إشارة إلى خطوات لم تتم، وتأييداً لما هو موجود وليس مطالبة بما هو غير موجود حتى أصبح فكرنا القومي في الغالب تزييناً وتجميلاً لفكر السلطة، في حين أن مهمة الفكر هي النقد لا التبرير، والتوجيه لا التنفيذ، وبيان أوجه النقص وليس مباركة صفات الكمال. فإذا ما تحققت الأشياء أنصافاً دعا الفكر إلى تحقيق الأنصاف الأخرى، إذ إن الإعلان عما تحقق تكرار وتحصيل حاصل. فالواقع شاهد على نفسه، وليست مهمة الفكر أن يصدر حكماً عليه. وإذ تحققت صورة دعا الفكر إلى تحقيق المضمون، وإذا ما نودي بالشعارات طالب الفكر بقياسها على الواقع وبتحقيقها فيه. في التبرير تغيب الحقيقة وقد تصبح تابعة لهوى السلطات ولقدرات المفكر الذي يحشد أكبر قدر ممكن منها، ويستعمل أحدث النظريات، وآخر الصيحات، وأدق الألاعيب في التبرير حتى يلبس الباطل ثوب الحق، ويلوك الحق فيبدو باطلاً. وقد ينتظر فكرنا القومي قرار السلطة، ثم يبدأ في الإفاضة والشرح وبيان أوجه الحكمة، وصواب النظر، ونفاذ البصيرة، ولكن لا يبدأ فكرنا القومي بوضع مشكلة لم تتخذ السلطة فيها قراراً بعد. أصبحت أعمدة الرأي المستقل في صحافتنا تبريراً بعدياً لقرار السلطة، فإذا ما امتنعت السلطة عن قرار ما تابعها فكرنا القومي دون أن يسأل أحد من قبل عما ستكون نتيجة عدم تنفيذ هذا القرار. وإذا عادت السلطة واتخذت ذات القرار ظهر فكرنا القومي مبيناً الحكمة من وراء القرار حتى سئم القراء لصحافتنا اليومية من قراءة أعمدة الآراء الحرة. وقد يبلغ التبرير درجة يصل فيها إلى حد المزايدة على السلطة ويصبح المزايدون ملكيين أكثر من الملك. فإذا دعت السلطة إلى إطلاق الحريات -عن إيمان أو كشعار- استثنى المبررون من الحريات فئات قد تغضب السلطة بنقدها، وطالبوا بمنعها من الحريات لأنها تثير قلق السلطة. وإذا تواضعت السلطة، وآثرت عدم البقاء حتى لا تحدث وصاية أبدية من فئة ثورية على الشعب، طالب المزايدون باستمرار السلطة. وماذا لو حدث أن أخطأت السلطة؟ قد تسيء هذه المزايدات إلى السلطة، ولكن السلطة قد لا تنبذها بجدية، بل تستفيد منها وبرفضها التام لها حتى تزداد شعبية ورسوخاً. وإذا طالبت السلطة بالرقابة الشعبية فوض المزايدون للسلطة حق الشعب، والسلطة راضية بهذه الثقة المطلوبة التي يوليها إياها الشعب. ولذلك أصيب فكرنا القومي باللون الواحد، والخط الواحد، وهو الخط الرسمي للسلطة، في حين أن تراثنا الديني قد قام علي اختلاف الآراء وتعدد وجهات النظر لأن «اختلاف الأئمة رحمة». وقد يقوم بالتبرير اليمين واليسار الحكومي على السواء. يكون اليمين متسقاً مع نفسه إذا قام بالتبرير، فهو أساس نظرية في تبرير الواقع والدفاع عن الوضع القائم. وإذا قام بالنداء والتوجيه فلمزيد من التثبيت والإرساء لما هو قائم. اليمين بطبعه تابع للسلطة ومبرر لقراراتها لأنه السلطة تتحدث عن نفسها. أما اليسار وهو الرقيب على السلطة والناقد للأوضاع، والموجّه للواقع إذا برر فإنه يتخلى عن وضعه كيسار ويلحق باليمين، ولا تبقى إلا صورة اليسار واليمين في العبارات والشعارات وعناوين الصحف والمجلات والتمثيل في المؤتمرات وإرسال الوفود والبعثات. اليسار إلى الشرق، واليمين إلى الغرب، وتقليد ممثليه المناصب الوزارية ومراكز الصدارة الاجتماعية بنسب معقولة طبقاً للسياسة الخارجية. والحقيقة أن التبرير نقص في الشجاعة الأدبية وليس نقصاً في الذكاء. ولكن إذا ما توافرت الشجاعة الأدبية لدى بعض الأفراد فإن تلقائية الفطرة، حماس الشباب، والغيرة على الواقع، والأمل في المستقبل، كل ذلك يدفع بهؤلاء إلى التخلص من هذه السمة العامة الغالبة في فكرنا القومي وهي التبرير. ولذلك قد تحاول السلطة استيعاب الشباب بالمنظمات والأندية والمصالح والوزارات والأمانات العامة، أو احتواء الاتحادات الطلابية وتقييد حركتها. ولكن يظل الشباب هو السلاح الوحيد للقضاء على سمة التبرير. ولو رغب المسنون في المشاركة فإن نفسهم يكون قصيراً، ولا ينتظرون إلا حسن العاقبة والختام. ونظراً لتبعية المفكر للسلطة وتبريره لقراراتها وفي الوقت نفسه وجود الفطرة والبراءة الأصلية التي لا تزال تبقى في موات الفكر جزءاً من حياة، يعيش فكرنا القومي حياة مزدوجة. فهو أحياناً الفكر الرسمي المعلن عنه، المنشور والمقروء والمسموع الذي توزع طبقاً له المناصب، ثم هناك الفكر الآخر، وهو ما قد يكنه الإنسان في قرارة نفسه والذي لا يحدث به إلا نفسه أو بعض أصدقائه الخلص في الدائرة المغلقة، أو يعبر عنه بالنكتة الشعبية أو بالقصص الرمزي أو على حوائط دورات المياه! وبكثرة التكرار قد يؤمن البعض قارئاً أو سامعاً بالفكر الرسمي. وقد انعكس ذلك كله في سلوكنا اليومي الذي أخذ طابع المجاملات التي قد تبلغ أحياناً حد التملق وأحياناً أخرى حد المداهنة والكذب الرخيص. ولطالما تساءلت السلطة عن سبب الضحالة في الفكر والأدب وركود الثقافة ونحول الحياة السياسية وسلبية الجماهير، وعزوفها عن المشاركة في الحياة الوطنية. والإجابة على ذلك واضحة وهي أن عنصر الصدق في الفكر والأدب مفقود ولأن الجماهير تعلم أن ما يُعرض عليها أو يُقدم لها لا يُطابق الحق الذي تعلمه ومن ثم يفقد القدرة على التعبير عنها. وقد رسخت الازدواجية في فكرنا القومي بسهولة بعد أن هُيئت لها الظروف السياسية وذلك لأن تصورنا للعالم ثنائي إذ إننا نقسم العالم إلى سماء وأرض، أعلى وأدنى. روح ومادة، صورة وهيولي. ثم تمتد هذه الثنائية الطبيعية إلى ثنائية أخلاقية فنتحدث عن الحلال والحرام، الخير والشر، الحسن والقبيح، الفضيلة والرذيلة. كما قد تتحول أيضاً إلى ثنائية اجتماعية فنتحدث عن الرجل والمرأة. الرئيس والمرؤوس، الحكم والمحكوم. ولكل طرف من هذه الثنائيات لغة، ولكننا نعيش مستوى ونتحدث عن مستوى آخر، فنعيش الشر ونستعمل لغة الخير، ونعيش الحرام ونستعمل لغة الحلال، ويتنصب الحكم ثم يستعمل لغة المحكومين. كما يقوي بذلك فينا نزعاتنا الباطنية واتجاهاتنا الصوفية التي تدرك الحقيقة على مستويات، وترى أن لكل شيء ظاهراً وباطناً حتى عرفنا بالتأويل والتخريج. ولكن يظل الكامن والمستور هو موطن الحقيقة وليس المعلن. والازدواجية همٌّ على القلب وحياة الجحيم، إذ لا يعيش الإنسان المزدوج حياته بل يحيا حياة الآخرين، ويفقد وجوده الخاص من أجل الزيف العام، وتكون هي النهاية عندما تتم المواطأة، وتختفي الفطرة. لذلك جاء الأنبياء كلهم نقداً لحياة النفاق. ولكن إذا تحدث الإنسان عن فطرة، ورفض الأقنعة الزائفة، فإن حديثه يسري سريان النار في الهشيم، ويكون حادثة العصر. فلحظات الصدق التاريخي أو الفردي هي مواطن الحركة والتغير. وإذا كان للتوحيد معنى لعصر سادته الازدواجية ولفكر قومي طبيعته الثنائية، فإن هذا المعنى هو في إعادة الوحدة إلى شخصيتنا الوطنية، فكراً أو سلوكاً، فالتوحيد اسم فعل يدل على حركة وجهد وليس اسماً ثابتاً يدل على شيء ساكن مثل «واحد»، وبالتالي فإن مهمة الفرد هي عملية التوحيد بين الفكر والقول، وبين القول والعمل، وبين الفكر والوجدان، وبالتالي نقضي على الانفصام في شخصيتنا الوطنية. والتوحيد في المجتمع يعني تأسيس مجتمع بلا طبقات، وهي الأمة الواحدة التي يتفاضل فيها الأفراد طبقاً للعمل. التوحيد والازدواجية إذن نقيضان، ولا يمكن أن يكون الإنسان موحداً ومزدوجاً في آن واحد.