ما من مسألة سياسية تفوق الحرب على العراق قدرة الآن، على شق الصفوف وصدع المواقف على نطاق العالم بأسره. فقد شقت هذه الحرب صفوف الدول والأمم والشعوب، بل شقت صفوف الأسر نفسها، ودقت إسفينها بين الأخ وأخيه. وجعلت حرب العراق الأصدقاء يقفون في مواجهة بعضهم بعضاً، وأطاحت بالتحالفات الراسخة القائمة على مدى السنين والعقود. كما أطاحت هذه الحرب ببعض المسؤولين من مناصبهم، كما هو حال رئيس الوزراء الأسباني السابق "خوسيه ماريا أثنار"، الذي عصف به الناخبون الأسبان، إثر تفجيرات مدريد الشهيرة، التي عزوها مباشرة لمشاركته في الحرب على العراق.
وها هي تلك الحرب الآن، تهدد المستقبل السياسي لرئيس الولايات المتحدة الأميركية جورج بوش، وحليفه رئيس الوزراء البريطاني توني بلير. هذا ويكمن أكبر انقسام لهذه الحرب، في قلب الاتحاد الأوروبي. ذلك أن بريطانيا تعد حليفاً رئيساً للولايات المتحدة في حربها على العراق، بينما تمثل فرنسا أشد منتقدي الحرب. وبينما يزعم بلير، مرددا أصداء حليفه الرئيس بوش، أن الحرب ستأتي بالحرية والديمقراطية إلى العراق، نجد أن الرئيس الفرنسي "جاك شيراك"، يشجب الحرب، واصفاً إياها بأنها كارثة، لن تثمر شيئاً عدا المزيد من الكراهية للغرب والفوضى والدمار.
فكيف يؤثر هذا النزاع على العلاقات بين هذين البلدين؟ وهل كفت بريطانيا وفرنسا عن أن تكونا حليفتين؟ أليست فرنسا القبلة المفضلة للسياح البريطانيين؟ ألم يشترِ مئات الآلاف من البريطانيين، بيوتاً لقضاء عطلاتهم في فرنسا؟ أولم يكن الطريق الحديدي المار تحت القناة الإنجليزية، حبلا سرياً يصل بين البلدين والشعبين؟
في وقت مبكر من العام الجاري، حلّت الملكة البريطانية "إليزابيث" ضيفة على فرنسا، في زيارة رسمية للاحتفال بالذكرى المئوية لاتفاقية "التفاهم الودي" بين البلدين، وهي الاتفاقية المبرمة في عام 1904، بين كل من بريطانيا وفرنسا، اللتين كانتا القوتين العظميين في ذلك الوقت، بقصد وضع حد مؤقت للتنافس الاستعماري، ووقف التطاحن فيما بينهما على المستعمرات والنفوذ الإمبريالي. وبموجب تلك الاتفاقية، أعيد ترتيب وتقسيم المصالح ومواقع النفوذ الاستعماري بين الدولتين، بحيث مُنحت فرنسا يدا مطلقة في المغرب، بينما أطلقت فرنسا في المقابل يد بريطانيا في مصر. ثم مضت الدولتان العظميان، شوطاً أبعد في توزيع مناطق النفوذ الاستعماري فيما بينهما في مناطق أخرى عديدة من العالم، شملت كلا من بورما ونيجريا وإندونيسيا. حدث ذلك قبل وقت بعيد من اندلاع الثورة البلشفية في روسيا عام 1917، وهي الثورة التي أدت إلى نشوء الاتحاد السوفيتي. كما حدثت تلك الاتفاقية قبل وقت بعيد من بروز الولايات المتحدة الأميركية، باعتبارها الدولة العظمى الأولى في العالم.
في عام 1904، كان القلق المتنامي والمتبادل حيال تصاعد القوة الألمانية، قد دفع المسؤولين في كل من باريس ولندن للجلوس معاً، وتنسيق الخطط فيما بينهم. يذكر أن ألمانيا كانت قد عولت على نحو خاص، وبنت خططها التوسعية على أساس التنافس القائم بين كل من البريطانيين والفرنسيين، باعتبار أن تلك هي البيئة الملائمة لحفز التطلعات الألمانية التوسعية في القارة الأوروبية وما وراءها. غير أن "اتفاقية التفاهم الودي" التي أبرمها الطرفان البريطاني والفرنسي في التاريخ المذكور آنفا، قطعت الطريق على تلك الأحلام الألمانية، ووضعت تطلعاتها تحت الرقابة المشتركة لكلتا الدولتين. وقد كانت تلك الرقابة، أحد النصوص التي نصت عليها الاتفاقية المبرمة. أدت تلك الاتفاقية المبرمة بين الجانبين لاحقاً إلى نشوء تحالف، كان له الفضل في دحر وهزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى (1914-1918).
بيد أن ذلك التحالف لم يدم طويلا. ففيما يتصل بالنزاع الإمبريالي حول منطقة الشرق الأوسط بين الحربين العالميتين، كانت فرنسا وبريطانيا، أقرب إلى الخصومة منهما إلى التحالف. فمما لا شك فيه أن بريطانيا لعبت دوراً حاسماً في وضع حد للوصاية الفرنسية على كل من سوريا ولبنان، الأمر الذي أثار حفيظة فرنسا وتخوفاتها من أن تكون بريطانيا تنوي الانفراد بالسيطرة على العالم العربي كله. والحقيقة التي لابد من الاعتراف بها، هي أنه وخلال العقود العديدة الماضية التي أعقبت إبرام "اتفاقية التفاهم الودي" بين البلدين، أن الإسمنت الذي صنعت منه خلطة تلك الاتفاقية، لم يكن من القوة والتماسك بما يكفي، للتوحيد بين فرنسا وبريطانيا على نهج التحالف والتعاون المستمر مع بعضهما بعضاً. وعليه، فقد آثرت بريطانيا توثيق علاقاتها ومصالحها بالولايات المتحدة الأميركية، بينما آثرت فرنسا أن تنهج نهجاً مستقلا في تحديد مسارها وسياساتها.
وعند النظر إلى نصف القرن الماضي أو ما يزيد عليه قليلا، فإن في وسع المرء أن يلحظ ثلاثة أو أربعة منعطفات رئيسية، مرت بها العلاقات البريطانية- الفرنسية. أولها أن الهزيمة الساحقة التي ألحقتها ألمانيا بفرنسا في عام 1940، قد تركت أثارا وتداعيات ذات أهمية بالغة. وحين ك