هل تغير حال العرب والمسلمين بين رمضان الماضي ورمضان الحالي؟ سؤال نطرحه على كل من يعمل بجد وإخلاص في عمله، ولكل من يتطلع إلى مستقبل أفضل، ولكل غيور على قضايا وطنه، وللمهمومين بتردي الحال العربي· والإجابة الفورية: نعم لقد تغير حال العرب والمسلمين... ولكن في قطاع الإعلام المرئي فقط! الذي بدأ مبكرا الاستعداد "لمعركة" رمضان، وحملة "حرية الترفيه"، فانعقدت مجالس الحرب، وتم تكليف المبدعين والمقاتلين بالتخطيط والتحضير والتنظيم والتجهيز والإعداد لحشد من الأفلام والمسلسلات والبرامج المسلية والترفيهية، ويقال إن كل ذلك قد تكلف ميزانية تزيد على ملياري دولار أميركي· الذي تابع برامج رمضان في الإذاعة والتليفزيون أو حتى من خلال قراءة الصحف يستطيع بسهولة أن يتعرف على مدى الجهد الذي بذله المنتجون والمؤلفون والمخرجون والممثلون والمذيعون والقائمون بالأعباء الفنية والإدارية في التخطيط والإعداد لهذا الحدث الجلل، والبعض منهم واصل الليل بالنهار لتجهيز المنتج قبل حلول الشهر الكريم، والبعض الآخر قاتل قتالا مريرا لعرض مسلسله أو برنامجه في وقت الذروة·
إنه التخطيط "الواعي" الذي يدرك أهمية انتهاز الفرصة السانحة لكسب المال. إنه الفكر الذي كنا نتوخى منه أن يعالج قضايانا مثلما يفعل مع تحضيرات رمضان. إنه التخطيط المسبق الذي يمتلك إرادة الفعل الذي كنا نأمل أن يسود باقي مناحي حياتنا. إنه الحماس الطاغي لفعل شيء ما وهو الأمر الذي كنا نطمح أن تتبناه حكوماتنا في علاج أزماتنا المزمنة. إنه حشد للطاقات وشحذ للهمم لتحقيق شيء ما، بغض النظر عن اتفاقنا معه أو خلافنا عليه، والذي كنا نأمل أن يسود مجتمعاتنا لنتخلص من عيوبنا وسلبياتنا·
ففي الوقت الذي نجد فيه إعلامنا عاجزا عن صوغ استراتيجية إعلامية قصيرة أو متوسطة المدى لعلاج أو مواجهة القضايا والأزمات التي يواجهها العالمان العربي والإسلامي على كل المستويات وفي مختلف المجالات، ويفتقر إلى برامج وخطط إعلامية تهدف إلى بناء الفكر أو توجيه الرأي العام، نجد دقة التحضير وحسن "المواجهة" في برامج شهر رمضان· وإذا كنا نملك القدرة على ترجمة أحلامنا الترفيهية والمسلية إلى واقع، ونتجنب الاستنساخ والتقليد من الخارج، فلماذا لا نرى ذلك في موضوعاتنا وقضايانا الأخرى؟ وفي الوقت الذي يدفعنا فيه شهر رمضان إلى مراجعة النفس عن أفعال عام مضى، حتى نقف على أخطائنا وتداعياتها، ونتعرف على سلبياتنا وأزماتنا وما آل إليه حالنا، ثم محاولة وضع العلاج المناسب لها حتى لا نكررها، نجد أن يومنا قد أصبح مثل أمسنا، ولذلك لن يختلف غدنا عن يومنا، والأسباب كثيرة ربما يكون أهمها هو عدم شعورنا بالزمن، وتركيز جل اهتماماتنا على التوافه من الأشياء التي قد يكون ضررها أكثر من نفعها·
منذ مدة طويلة تزيد على العام ونحن نسمع عن استعدادات الإعلاميين لرمضان، وكيف استفادوا من دروس وأخطاء مسلسلات رمضان المنصرم، وسلبيات اختيار الموضوعات، والتنافس بين الفضائيات، ومن منها كسبت سباق إشغال المشاهد بالتوافه أكثر من غيرها. وهي في الواقع دروس وخبرات مهمة ستساعدنا في القضاء على الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وعودة الحقوق المشروعة للشعب المقهور، وسوف تدفعنا إلى استعادة العراق من بين مخالب الاحتلال الأميركي، وستفتح لنا الطريق للقضاء على آفة الإرهاب والتطرف التي اخترقت العظام ووصلت إلى النخاع، وستحرر إرادتنا السلبية، وستعيد لديننا الحنيف مصداقيته بعد أن يفيق شيوخنا وعلماء ديننا من تطرفهم·
لقد بذلت جهدا كبيرا لأتعرف على الهدف من كل هذه الاستعدادات الإعلامية المكثفة للفضائيات للترفيه وتسلية المشاهد في شهر رمضان. ولم تخرج الإجابة عن إحدى الإجابات التالية، أو ربما جميعها، والتي أجد أن التفكير في أي منها يصيبني بالإعياء وربما الغثيان:
أولا: تسلية الصائمين والترفيه عن معاناتهم من الجوع والعطش، ببرامج ستفقدهم الهدف المرجو من هذا الصيام، وربما فقدان ثوابه·
ثانيا: إشغال المشاهدين العرب وكسر حاجز الملل من متابعتهم اليومية المتكررة والمعادة للنكبات والكبوات والنكسات، ربما يكون ذلك علاجاً لحالات الكبت الجماعي في الرأي والحريات والحقوق التي أصابتهم ·ثالثا: المساهمة في تغييب الرأي العام العربي كطريق وحيد لحل مشكلة التطرف والإرهاب· رابعا: زيادة مساحة التهميش والتسطيح للعقل العربي، والذي بات لا يحتاج إلى كل هذا الكم من المسلسلات وبرامج التسلية لأن الواقع أصبح أكثر سخرية وعبثية منها· خامسا:حشد الجهود والعقول لمواجهة المؤامرات والهجمات الشرسة التي يتعرض لها العرب والمسلمون في كل أنحاء العالم· سادسا: مسايرة موجة التردي المنتشرة في الواقع العربي، ولماذا يختلف الإعلام العربي عن باقي مجالات التراجع والانهيار؟·
سابعا: إذا كان الإعلام مرآة الشعوب، في ظل سيادة المقولة الأزلية: "إن المشاهد يريد ذلك"، فإن المشاهد يستحق هذا العقاب ليخرج من شهر الصيام كما دخله، لم يعتبر أو يتعظ أو يتخلص من ذنوبه وآثامه·