بارنييه: صوت "الصامتين"


بينما كانت قضية الصحفي الفرنسي آلان مينارغ وذيول تداعياتها تتفاعل بشدة في فرنسا، جاءت زيارة وزير الخارجية الفرنسي ميشال بارنييه إلى إسرائيل، لتعطي مؤشرا قويا على عودة الدفء لعلاقات الدولتين. فقد أبعد مينارغ من منصبه كمدير للأخبار في إذاعة فرنسا الدولية، بضغط من وزارة الخارجية الممثلة في الإذاعة، وفي هذه الأثناء وصل بارنييه إلى القدس المحتلة ظهيرة الأحد الماضي، في زيارة مدتها ثلاثة أيام وتهدف إلى تحديد اتجاه العلاقات الفرنسية الإسرائيلية. فهل تمثل المعطيات "المتنامية" لعلاقات باريس- تل آبيب، تعبيرا لشخصية بارنييه، كوزير لخارجية فرنسا، ولاتجاهه السياسي؟ لا حاجة للتذكير هنا بأن زيارة بارنييه تأتي إثر التوتر الذي ساد علاقات الجانبين طوال الأشهر الأخيرة، خاصة بعد أن وجه رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون في 18 يوليو الماضي دعوة إلى يهود فرنسا للهجرة إلى إسرائيل، واتهم الدولة الفرنسية بمعاداة السامية، بينما ردت فرنسا على ذلك بالقول إنه لا يمكن لشارون زيارة فرنسا قبل تقديم "تفسيرات" لأقواله الآنفة.


وبلغت أزمة العلاقات الثنائية بين الجانبين ذروتها، برفض رئيس الوزراء الإسرائيلي استقبال وزير الخارجية الفرنسي ميشال بارنييه بعدما أصر الأخير على زيارة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في مقره المحاصر في رام الله. وقد عرف عن بارنييه أن ولعه بأوروبا جعله يولي اهتماما كبيرا لإعطائها دورا في منطقة الشرق الأوسط، ومن ثم فهو مهتم جدا بهذه المنطقة أيضا. وكأي وزير للخارجية الفرنسية تولى هذا المنصب، حاول بارنييه السعي إلى الدفع نحو إيجاد حل لدورة العنف الإسرائيلي الذي قال عنه إنه "يولد الإحباط والإهانة".


فبعد شهر واحد على تعيينه في منصبه الحالي، قام بارنييه في يونيو 2004 بزيارة لكل من مصر والأردن والضفة الغربية، وحاول الاستماع إلى عدة آراء حول عوائق استئناف المفاوضات الفلسطينية- الإسرائيلية. ولبارنييه دوافعه من وراء ذلك التحرك، فعدا عن رغبته في تنفيذ سياسة رئيسه جاك شيراك ذات الملامح الديغولية إزاء منطقة الشرق الأوسط، فهو يتكلم بفخر عن عائلته التي عاشت في المنطقة؛ فجده عمل طبيبا في مصر مدة 15 عاما، وأقامت فيها والدته، كما أقامت جدته أيضا في سوريا ردحا من الزمن، بينما أصبح هو فيما بعد عضوا نشيطا في مجلس إدارة جامعة القديس يوسف في لبنان حيث كان يزوره مرتين سنويا. وقد ولد بارنييه في منطقة سافوا بمقاطعة بورج سينت موريس (جنوب شرق) عام 1951، وتخرج من المدرسة العليا للتجارة في باريس عام 1972. وشغل بارنييه الذي انضم في سن مبكرة إلى الحركة الديغولية، العديد من المناصب الانتخابية والوزارية والسياسية.


ففي سن الثانية والعشرين أصبح أصغر مستشار في منطقة سافوا، ثم فاز في تشريعيات عام 1978 ليصبح أيضا أصغر نائب في البرلمان عن دائرة البيرتفيل في سافوا، واستطاع الحفاظ على مقعده خلال ثلاث دورات تشريعية حتى عام 1992، وخلال ذلك ترأس المجلس العام لمنطقة سافوا من عام 1982 إلى عام 1999، كما انتخب سيناتورا عن المنطقة ذاتها من 1997 إلى 1999. أما المناصب الوزارية التي تقلدها فمنها حقيبة البيئة في الفترة بين عامي 1993 و1995، حيث ترك بصماته في ذلك المجال من خلال إقرار قانون شهير حول تعزيز حماية البيئة، وفي نفس الآونة ألف كتابه "التحدي البيئي".


وخرج بارنييه إلى الإطار الأوروبي الذي يمثل قناعته السياسية العليا، فعمل مفوضا أوروبيا مكلفا بالسياسة الإقليمية، وهو المنصب الذي ظل فيه من يونيو 1999 حتى تعيينه وزيرا للخارجية في حكومة جان بيير رافاران الثالثة في 30 مارس 2004، وذلك خلفا لدومينيك دوفيلبان. ولعل كثيرا من المهتمين ظنوا في حينه أن منصب مدير الدبلوماسية الفرنسية لن يحظى مرة أخرى برجل مثل دوفيلبان؛ ذلك الشاعر الساحر الفرنسي الأنيق المولود في المغرب؛ لكن- ويا للمفاجأة- كشف خلفه بارنييه عن موهبة دبلوماسية فاقت التوقع. فخلال أشهر قليلة، حرك بارنييه سكون ملفات عديدة في السياسة الخارجية الفرنسية، فأظهر أن وحدة أوروبا لا يمكن أن تتم دون بريطانيا، وشرع في تسوية عدة ملفات في العلاقات الفرنسية –الأفريقية، وحقق حلا لآخر خلاف بين باريس وطرابلس الغرب، وسارع إلى تصليح الموقف الفرنسي من أزمة دار فور، وساهم في بلورة موقف أوروبي من الملف "النووي" الإيراني. ورغم الانقلاب الجذري- و"الغامض" - في الموقف الفرنسي ضد سوريا، وعودة التقارب بين باريس وتل آبيب، فقد احتج بارنييه علنا وبجسارة على معاناة الفلسطينيين وعلى جدار الفصل العنصري، وتساءل في خطاب ألقاه الثلاثاء الماضي في جامعة تل آبيب:"كيف يمكن إخفاء كل ذلك؟"، ليؤكد أن "تدمير المنازل وإلقاء العائلات في الشوارع وفرض حظر التجول، وإعادة الاحتلال والعمليات التي تحصد الأبرياء... كل ذلك لن يجعل حياة الإسرائيليين أكثر أمنا"! وتلك هي كلمة فرنسا التي أعل