يحاول أرييل شارون أن يظهر أمام الرأي العام العالمي هذه الأيام بأنه صانع للسلام، بدعمه لمشروع الانسحاب من غزة، أو بإعادة انتشار القوات الإسرائيلية في القطاع. وينص المشروع الذي أقرته وزارته صيف هذا العام على إخلاء إحدى وعشرين مستوطنة إسرائيلية في القطاع، وأربع مستوطنات معزولة بالقرب من جنين. ويقوم مشروع شارون على الاحتفاظ بمعظم المستوطنات الكبرى، وتوسيعها في الضفة الغربية وإخلاء معظم المستوطنات في غزة، عدا مناطق معينة في شمالي القطاع، وكيلومتر كامل من مخيم رفح المحاذي للحدود المصرية، والذي تصر إسرائيل على تدميره بالكامل. ويبدو أن قرار الانسحاب من معظم قطاع غزة يعود إلى نضوب المياه الصالحة للشرب فيه، وعدم إمكانية استمرارية بقاء هذه المستوطنات دون ضخ استثمارات ضخمة في مجال تحلية المياه. لذلك فإن شارون يريد أن يحتفظ بأجزاء واسعة من الضفة الغربية لخصوبة أراضيها ولتوافر مخازن كبيرة من المياه الجوفية في معظم المناطق القريبة من المستوطنات الإسرائيلية. وقد بدأت القوات الإسرائيلية بالانسحاب من مدن ومخيمات في شمال غزة، بعد أن هدمت عدداً كبيراً من منازل الفلسطينيين فيها، وقتلت 129 فلسطينياً في شمال القطاع خلال الثلاثة أسابيع الماضية.
وتقدر بعض الإحصائيات الفلسطينية أن حوالى 60781 منزلاً وسكناً فلسطينياً قد تم تدميرها خلال الأعوام الأربعة الماضية. كما تم اغتيال 424 شخصاً منهم 186 رجلاً و89 طفلاً، و26 امرأة، وجرح خلال نفس الفترة 53000، منهم 2500 من المعاقين إعاقة دائمة. وقد بلغ عدد المعتقلين الفلسطينيين في الوقت الحاضر 8000 معتقل، وإذا ما احتسب عدد المعتقلين الفلسطينيين منذ عام 1967 وحتى الوقت الحاضر، فإن 40% من الرجال قد دخلوا السجون الإسرائيلية، أو ما تعداده 650000 مواطن قد تم اعتقالهم منذ ذلك التاريخ وحتى الوقت الحاضر.
في الماضي كان ينظر إلى القضية الفلسطينية كقضية إنسانية أو سياسية، أما بعد صدور قرارات الأمم المتحدة، وحكم محكمة العدل الدولية في يوليو الماضي، والذي أدان الاحتلال الإسرائيلي إدانة كاملة، كما أدان عملية بناء الجدار الاستيطاني العازل، فإن القضية قد أخذت بعداً قانونياً جديداً. لذلك فإن هناك عواقب قانونية لمثل ذلك الرأي الاستشاري للمحكمة. وهذا يعني أن تتوقف إسرائيل عن بناء هذا الجدار وأن توقف توسيع المستوطنات، وأن تنسحب من جميع الأراضي الفلسطينية المحتلة. لذلك فحينما يذرف شارون دموع التماسيح بأنه لا يستطيع كبح جماح المستوطنين، وأن على الحكومة الإسرائيلية أن تعوض المستوطنين عما فقدوه من بيوت ومزارع في غزة، وأن تبني لهم مستوطنات جديدة في الجليل الأعلى (وهي مناطق كثافة فلسطينية منذ عام 1948 وحتى الوقت الحاضر) وكذلك في النقب، التي لا زالت تقطنها أعداد كبيرة من بدو فلسطين وسيناء، فإن شارون يلمح هنا لوجوب أن تدفع المجموعة الدولية ثمن إعادة انتشار قواته في غزة، وأن تساعد في بناء المستوطنات الجديدة للإسرائيليين.
والواقع أن الفلسطينيين قد دفعوا ثمن الاحتلال غالياً، وهم قد دفعوا هذا الثمن بأرواحهم، ودفعه أبناؤهم وبناتهم. وحتى الزيتونة العتيقة التي يرضع الفلسطيني رحيقها ويعيش على قوتها، وتعيش على إروائه لها، فهي المسكينة قد اجتثت من الأرض. كل هذا الحقد الأسود ضد الإنسان والأرض والشجر، يرينا أن الالتزام القانوني للحكومة الإسرائيلية يعني وجوب تعويض مئات الآلاف من الفلسطينيين لما لحق بهم من أذى طيلة سنوات الاحتلال العجاف.
التعاطف الدولي مع الفلسطينيين يزداد يوماً بعد يوم، وهناك حركة شعبية حقيقية في أوروبا والولايات المتحدة من هيئات شعبية وسياسية متعاطفة مع القضية الفلسطينية. كما أظهرت استطلاعات الرأي خلال العام الماضي، فإن 62% من الأوروبيين يشعرون بأن إسرائيل تمثل تهديداً للأمن العالمي. وقد بدأت إسرائيل تتنبه لخطر قيام حركة حظر اقتصادي دولي، ومقاطعة عالمية لمنتجاتها في القارة الأوروبية. فقامت مؤخراً بتأسيس مركز ضخم للضغط السياسي على البرلمان الأوروبي وعلى الأمانة العامة للاتحاد الأوروبي، ويعمل في هذا المركز حوالى 250 شخصاً، مدربين بشكل جيد للدفاع عن القضايا التي تهم إسرائيل. من ناحية ثانية، فإن الهيئات المدنية الأوروبية التي تتعاطف مع الفلسطينيين تخطط للقيام بحملة إدانة واسعة لإسرائيل في معظم البلدان الأوروبية، وذلك في الرابع من أبريل القادم (2005). وسيكون أول مطالب هذه الهيئات هو أن تدفع إسرائيل مليار دولار للدول المانحة للسلطة الوطنية الفلسطينية، حيث تقدر الإحصائيات أن مليار دولار من هذه الهبات والقروض التي قدمت من الاتحاد الأوروبي للسلطة خلال العشرة أعوام الماضية قد تم تدميرها خلال الاجتياحات الإسرائيلية المتكررة منذ بدء الانتفاضة وحتى الآن.
وخطة شارون لا تنهي الاحتلال الإسرائيلي للقطاع، بل هي خطة إعادة انتشار في المقام الأول. وهي تقوم على انسحاب على أربع مراحل تبدأ في منتصف عام 2005. ويستمر تنفيذها حتى نهاية العام