اختتمت يوم الأربعاء 13 أكتوبر 2004 ثالث المناظرات بين الرئيس الحالي والمرشح الديمقراطي. وخلال سير الحملة الانتخابية يلاحظ المرء أن العراق ومكافحة الإرهاب هما المحوران اللذان يدور حولهما كل حديث، رغم أن المناظرة الثالثة مثلاً كانت مخصصة للشأن الداخلي. ويعني ذلك أن السياسة الخارجية تأتي على رأس اهتمامات كلا المرشحين، ويحدث ذلك على عكس ما كان سائداً في السابق. فخلال الحملات الانتخابية الماضية كان الاقتصاد هو أهم الأولويات ثم تأتي بعد ذلك المسائل الأخرى. إن الناخبين يعلمون أن من سيفوز في الانتخابات القادمة سيواجه بتحديات جسيمة في العراق في إطار سعيه إلى حل المعضلة. وتعتقد العديد من الجهات الشعبية الأميركية بأن استتباب الأوضاع في العراق أمر غير ممكن دون تدخل من الأمم المتحدة والجهات الدولية الأخرى الفاعلة في المجتمع الدولي، وبأن الولايات المتحدة منفردة قد لا تتمكن من ذلك وإن دفعت بالمزيد من القوات والموارد إلى هناك. وهي أمور قد لا تحدث بسهولة في هذه المرحلة. لذلك فإن على الفائز في الانتخابات القادمة أن يجد الوسائل والسبل للعمل من خلال هذه الآلية جزئياً على الأقل. وفي أكثر من تصريح له خلال حملته الانتخابية قال المرشح الديمقراطي إنه سيجعل من ذلك أولوية سياسية لو فاز في الانتخابات وبأن لديه خططاً جاهزة للتنفيذ يمكنه من خلالها تحقيق الهدف المنشود، وقد قام بالفعل بوصف الخطوات الأولية التي يمكنه من خلالها فعل شيء إيجابي في هذا الاتجاه. ويبدو أيضاً أن الرئيس بوش يتحرك من جانبه باتجاه تعاون أكبر على الصعيد الدبلوماسي في محاولة للابتعاد بعض الشيء عن العمليات العسكرية الصرفة التي استمرت فيها الولايات المتحدة منذ أن دخلت العراق في العام الماضي. ويبدو أن حسابات الإدارة الأميركية، انتخابياً، تجعل من المحتم عليها تسريع عمليات البحث عن حلول سلمية في العراق، بل وانعكس ذلك على كافة برنامجها للسياسة الخارجية بما في ذلك مكافحة الإرهاب الدولي.
وقد قامت الإدارة الحالية بخطوات عملية بهذا الصدد تعكس إشارات حسنة من جانبها، كعقد اتفاقية وقف إطلاق النار في مدينة الصدر ودعوة دول مجموعة الثماني الكبرى G-8 بالإضافة إلى جيران العراق الذين يشاركونه الحدود مباشرة إلى عقد مؤتمر حول العراق في نوفمبر القادم. وهذه الخطوات تعكس أن الإدارة ومستشاريها يتفهمون أن بلادهم في حاجة إلى التعاون مع منظومة واسعة من الأطراف الدولية الأخرى إذا كانت ترغب في جلب العراق إلى الأمن والاستقرار مرة أخرى.
وبهذا الصدد فإن إقناع الأمم المتحدة، خاصة مجلس الأمن الدولي، والدول الأخرى الفاعلة في المجتمع الدولي للمشاركة الفعالة في الشأن العراقي ليس بالأمر الهين. إن الولايات المتحدة تواجه أسئلة من الصعب الإجابة عليها حول النقطة الأخيرة: فكيف يمكنها إقناع أعضاء مجلس الأمن الآخرين جميعهم، والأمم المتحدة للاضطلاع بدور إيجابي كامل في العراق؟ وما هي الصورة التي يمكن بها للمجتمع الدولي الدخول إلى العراق؟ بمعنى هل سترسل الأمم المتحدة قوات دولية إلى هناك تحت رايتها؟ وما هو حجم القوات المراد إرسالها؟ وهل سيوافق جميع أعضاء مجلس الأمن على ذلك؟ وإن وافقوا جميعاً ما هو الثمن الذي سيطلبه كل طرف، خاصة دولا كفرنسا التي وقفت موقفاً معارضاً للحرب؟ إن الإجابة على هذه الأسئلة وغيرها تشكل قمة الفن الدبلوماسي إذا ما تمكنت الأطراف المعنية من الإجابة عليها. ففي تلك الإجابات تكمن المهارة الدبلوماسية التقليدية التي أرسيت دعائمها في العالم القديم شرقاً وغرباً، لأن من أهم فنونها الرغبة في الاستماع إلى ما تقوله الأطراف الأخرى، بل والقدرة على ذلك. وفي تقديري فإن المسألة العراقية تحتاج إلى ذلك كثيراً لكي يتم حلها بالطرق المناسبة.