أول من أمس الخميس 21 أكتوبر انعقدت في القاهرة المرحلة الثانية لمحادثات حكومة السودان مع المعارضة الشمالية ممثلة في التجمع الوطني الديمقراطي. كان الاجتماع المبدئي قد عقد قبل شهر تقريباً واتفق فيه على استئناف التفاوض بعد هذه الفترة. ولا يتوقع أن تنهي هذه الجولة حسم كل القضايا المعلقة وذلك لأنها كثيرة ومتعددة والرأي حولها ليس متقارباً بين الطرفين. ولهذا فإن المراقبين يرون أن اجتماعات القاهرة التي بدأت قبل يومين لن تكون أكثر من مرحلة من مراحل التفاوض الذي قد يستمر حتى مشارف العام المقبل.
إن أهم القضايا التي يدور حولها الجدل هي اقتسام السلطة بهدف توسيع قاعدة الحكم كما نصت على ذلك اتفاقيات نيفاشا التي عقدت بين الحكومة والحركة الشعبية (الجنوب) واعتبرت مضامينها هي المرجع في الاتفاقات المقبلة. الخطوة الأولى هي توسيع قاعدة الحكم كخطوة أولى نحو مرحلة أخرى تقوم على التنافس الحر وإنشاء نظام تعددي ديمقراطي.
إن اتفاقيات نيفاشا التي تمت تحت رقابة إقليمية ودولية وزعت مقاعد السلطة والحكم خلال الفترة المقبلة على أساس ثلث المقاعد للحركة الشعبية وغيرها من الحركات الجنوبية على أن يبقى الثلثان للشماليين. وفي هذا نص على أن يكون نصيب حزب المؤتمر الوطني الحاكم "الإنقاذ" أكثر من الثلثين وتبقى النسبة الضئيلة الباقية لتوزع على كل المنظمات والفصائل التي يمثلها التجمع الوطني الديمقراطي.
وقد اتضح لي أن زعماء المعارضة الشمالية "التجمع" يرفضون هذه القسمة ويرون أن تطبيقها لن يعني أن قاعدة الحكم ستتسع، ولهذا فإنهم يطالبون بأن تقسم المقاعد مناصفة بينهم وبين حزب الحكومة. وحجتهم في هذا أنهم يمثلون أغلبية جماهير الشمال، وأنه يكفي للاعتراف بالحزب الحاكم - بحقيقة أنه جالس على كرسي الحكم- أن يكون نصيبه النصف. ولا شك في أن هذه النقطة المركزية ستكون محل نزاع يطول بين الطرفين.
لقد استعد التجمع الوطني الديمقراطي للمفاوضات التي استؤنفت قبل يومين، في ضيافة وتحت إشراف حكومة مصر استعداداً مكثفاً أوضح ما فيه استدعاء عشرات من الخبراء السودانيين المؤيدين للمعارضة من الخرطوم للقاهرة ليكونوا مجموعة مستشارين لأعضاء وفد التجمع في المفاوضات. ويضم هؤلاء خبراء في الاقتصاد وفي الخدمة المدنية وفي شؤون الإعلام وفي الترتيبات الأمنية وغيرها من القضايا التي يرى قادة المعارضة أنه لابد من إيفائها حقها قبل الوصول إلى مرحلة الاتفاق لاقتسام السلطة. وتشمل الترتيبات مسائل شائكة مثل وضع القوات النظامية (الجيش والشرطة) وكذلك وضع الخدمة المدنية في كل مستوياتها وغير ذلك من الأوضاع التي تحتاج إلى إعادة نظر وتصحيح للوضع القائم الآن، أي وضع هذه الأجهزة كلها تحت قبضة ونفوذ الحكومة وحزبها، وليس على أسس قومية كما كان الحال وما يقتضيه الأمر، إذا أريد الخروج من نفق حكم الحزب الواحد.
هذا باختصار بعض معالم القضايا التي بدأ الجدل حولها بين الحكومة والمعارضة الشمالية في القاهرة. ويبقى أن ننتظر ونتابع أملاً في أن يتحقق قدر من التقدم يساعد السودان على الخروج من أزماته.