ما يزال الجدل قائماً حول هوية «دولة إسرائيل» وهوية «مواطنيها» منذ قيامها في عام 1948. وربما تكون «إسرائيل» هي الوحيدة في هذا العالم التي ترفض إعطاء اسمها كهوية قومية لمواطنيها. ومؤخراً، أصدرت المحكمة العليا الإسرائيلية قراراً نافذاً ركز عليه الإعلام الإسرائيلي كثيراً، وتزامن مع زيارة وزير الخارجية الأميركي جون كيري، جاء فيه: «المحكمة الإسرائيلية العليا ترفض اعتبار القومية الإسرائيلية هوية وطنية لأنها تهدد قواعد الدولة»! وهكذا تكون الدولة الصهيونية بدون اسم وبدون هوية قومية أو وطنية. لقد جاء هذا الحكم «القضائي» بعد أن قّدم عدد من الإسرائيليين دعوى أمام المحكمة العليا لتحكم لهم بأن «الجنسية الإسرائيلية هي هويتهم القومية المدنية». وكان تبريرهم القانوني كالآتي: «بدون هوية إسرائيلية علمانية (غير دينية) فإن سياسة الدولة ستفضل فقط اليهود من مواطنيها فتصبح دولة عنصرية تتبع التمييز العنصري ضد أقليتها غير اليهودية». وهؤلاء الإسرائيليون في دعواهم لدى المحكمة العليا كانوا يأملون منها وقف التدهور العنصري في الدولة الصهيونية المتجه نحو هاوية التمييز العنصري الأبارتايدي الذي يقضي على ما تبقى من «المبادئ الديمقراطية». لكن المحكمة العليا الإسرائيلية عللت رفضها بالقول: «نظرنا بمثل هذه القضية قبل أربعين عاماً، ومنذ ذلك الحين وحتى اليوم لم يثبت وجود قومية إسرائيلية. ومن الناحية القانونية، لا وجود للقومية الإسرائيلية ولا سبب لإقامة شظايا قوميات جديدة». لقد أراد هؤلاء الإسرائيليون، بدعواهم القضائية، منع إسرائيل من التحول إلى دولة دينية يحكمها الحاخامات الأرثوذوكس الأصوليون التلموديون. وبحسب الإسرائيليين العلمانيين، فإن الدولة الدينية ستقود حتماً إلى الوقوع تحت سلطة الكهنوت التي تقرر من هو اليهودي ومن هو غير اليهودي، كما هو فعلاً حاصل اليوم في إسرائيل. وقرار المحكمة العليا أثبت أن خوف هؤلاء المبادرين كان في مكانه وبالذات عندما أعلنت المحكمة أسباب قرارها القضائي قائلة: «إن رفضنا للجنسية الإسرائيلية كهوية قومية وطنية هو لأجل المحافظة على المبادئ (الصهيونية) التي تأسست عليها الدولة وهي: بأن تكون دولة يهودية لجميع اليهود فقط». وتعود الأسباب الحقيقية لعدم التوافق في إسرائيل على جنسية تحدد الهوية الوطنية للدولة ولمواطنيها من ضمن الهويات الوطنية المطروحة (الهوية الإسرائيلية، الهوية اليهودية، والهوية العبرية) إلى عوائق تاريخية دينية كبرى تمنع استعمال الهوية الإسرائيلية كهوية قومية وطنية للدولة الصهيونية ومواطنيها. وتبدأ «المسألة» بمعنى إسرائيل التوراتي، عندما تغلب النبي يعقوب في جهاده الأكبر المقدس على نفسه المادية وعقله المادي وغيّر اسمه إلى إسرائيل: «إسرا»، أي «السير في ظلمة هذا العالم المادي مع (ئيل)، أي مع الرب تعالى». كما لم تكن هناك في وقت من الأوقات، وفقاً للتوراة، أية ولاية أو مملكة تدعى مملكة إسرائيل، و«بنو إسرائيل» هم بنو يعقوب عليه السلام الذين تغلبوا على أنفسهم المادية الأنانية. إن المعنى التوراتي للصفة اليهودية يكمن في أن اليهودي هو المنتمي إلى قبيلة «هودا»، أحد أولاد يعقوب الاثني عشر، وهي القبيلة الوحيدة التي بقيت على ملة النبي إبراهيم بعد أن ذابت القبائل الإحدى عشرة في بؤرة الوثنية وضاعت في مجاهل التاريخ بعد «الخروج من مصر». لقد حافظت قبيلة هودا البدوية على «ملة إبراهيم التوحيدية»، وبدلاً من أن تعطي اسم النبي إبراهيم لدينها أو اسم النبي موسى صاحب التوراة، قررت تسمية ملة إبراهيم التوحيدية باسم القبيلة فأصبح الاسم «اليهودية» دين قبيلة هودا. ومنذئذ، بات من الضروري أن يكون اليهودي من سلالة قبيلة هودا، وتوراتياً أصبحت «اليهودية» هوية دينية محصورة بقبيلة هودا لا غيرها. وكما نعلم فليس كل مواطني الدولة الصهيونية من سلالة قبيلة هودا البدوية! أما الذي يلغي الهوية أو الجنسية اليهودية فهو الحقيقة العلمية التي تسببت، مؤخراً، بصاعقة كبرى نزلت على رؤوس جماعة الأشكناز الأرثوذوكس في جميع أنحاء العالم، وخاصة في إسرائيل، حين تم فحص أصل الأشكناز بواسطة التحليل الجيني الذي كشف علمياً أن اليهود الأشكناز الأوروبيين (الذين اعتنقوا الديانة اليهودية في القرن السابع الميلادي) هم من الجنس الآري ولا يمتون للسامية بصلة أبداً، وأنهم أتوا من جذور أمهاتهم الأوروبيات الآريات بدون علاقة نسب إلى النبيين إبراهيم أو إسرائيل (يعقوب). كما أن التلمود الغربي الذي كتبه حاخامات الأشكناز حدد من هو اليهودي وهو الفرد الذي تنتمي أمه اليهودية إلى السامية الإبراهيمية بغض النظر عن عرق أبيه أو دينه. لذا، يكون الأشكناز الحاكمون في إسرائيل ليسوا بيهود عرقياً وتلمودياً. وهكذا تصبح الجنسية اليهودية غير صالحة بتاتاً لتكون هوية الدولة الصهيونية وهوية مواطنيها لأنها لا تشمل الأشكناز تحت رايتها. وهكذا أيضاً يبقى الاحتمال الوحيد هو الهوية العبرية. لكن المعنى التوراتي للعبرانيين هم أولئك «الذين عبروا» من بدو الجزيرة العربية. والنبي إبراهيم هو الذي بدأ العبور في ثلاث مراحل، فأصبح لقبه (ومن عبر معه) «العبرانيون». لقد عبروا العبور الأول من الجزيرة العربية إلى العراق. والعبور الثاني كان عبور النهرين (دجلة والفرات). أما الثالث فكان عبور نهر الأردن إلى «أرض كنعان» التي كانت تدعى حسب التوراة أرض Philistinines (الفلسطينيين) كما جاء في قصة شمشون ودليلة في التوراة في سفر «القضاة» (Judges) رقم 16 آية رقم 5. ولقد أصبح اسم فلسطين باللغة اللاتينية أيام الرومان «بالستين» وبقيت فلسطين كما هي في اللغة العربية إلى يومنا هذا. والعبرانيون الوحيدون والحقيقيون في الدولة الصهيونية هم العرب اليهود والعرب المسيحيون والعرب المسلمون أبناء وأحفاد النبي إبراهيم. وهذه الحقيقة تجعل الهوية العبرية للدولة غير صالحة لأنها تستبعد الأشكناز أيضاً. وهذا يعني أن الصهيونية، التي تأسست لأجل إقامة دولة «يهودية الجنسية»، أصبحت ملغية بالمطلق بعد إلغاء الهويات الثلاث الإسرائيلية واليهودية والعبرانية. إن التلمود الشرقي لليهود الشرقيين الذين بدّلوا الديانة الوثنية للاشكناز إلى اليهودية اسمه: «التلمود الفلسطيني» أو «تلمود القدس». وقد كُتب هذا التلمود منذ آلاف السنين باللغة اليهودية القديمة الفلسطينية الآرامية، أي لغة الفلسطينيين الكنعانيين. ويكفي أن نعلم أن صحيفة «الجيروزاليم بوست» الإسرائيلية كان اسمها Palestine Post منذ إنشائها في عام 1932 إلى قيام الدولة الصهيونية عام 1948... وكذلك الحال مع الاسم الرسمي والدولي للحكم الإنجليزي: «الانتداب البريطاني لفلسطين»!