بدأ اللعب الأميركي الثقيل مع سوريا• وهو ليس من اللعب أو الهزل في شيء• صحيح أن تطبيق "قانون محاسبة سوريا" جزئيا أو كليا لا يضر سوريا كثيرا• ولكن هذا القانون ليس سوى جزء صغير من اللعبة• وهو موجه من أجل تسخين الإعلام الأميركي وإطلاق إشارة البدء في اللعب الثقيل أكثر مما هو مقصود لذاته• أما أسوأ جوانب اللعب فهو ما أعلنه شارون ولابد أنه يعكس رغبة الإدارة الأميركية أيضاً من إمكانية تكرار وتوسيع العدوان العسكري الإسرائيلي ضد سوريا• وأهم ما نعنيه باللعب الثقيل ضد سوريا هو إحداث تغيير جذري في قواعد اللعب أو الصراع• فبينما كان الصراع محكوما في العقدين الماضيين، فقد يذهب إلى أي مستوى من الآن فصاعدا• فهل يعني ذلك تكرار تجربة الحرب ضد العراق في حالة سوريا؟ تبدو فكرة الاحتلال الشامل لسوريا ضئيلة الاحتمال• ولكن الهدف الجوهري هو ذاته: أي تغيير جوهري من داخل النظام أو للنظام السياسي في سوريا بما يضمن انتقال هذا البلد العربي المهم إلى حيز أو مظلة الهيمنة الأميركية فيسير حزام الهيمنة الممتد من الخليج حتى تركيا بدون إعاقة أو انقطاع وتكون الولايات المتحدة قد خطت الخطوة الثانية المهمة في إعادة هندسة السياسة في الشرق الأوسط لمصلحتها.
تتكون اللعبة من العناصر التالية:
أولا: الهدف الحقيقي ليس هو ما ورد في قانون محاسبة سوريا وإنما الهيمنة على سوريا من خلال تصعيد متدرج للضغوط عليها.
ثانيا: السيناريو الرئيسي للضغوط يشمل طائفة من التدابير العسكرية تبدأ من توجيه ضربات جوية متكررة وربما محاصرة سوريا عسكريا من جانب اسرائيل وأميركا معا• وهي قد تصل إلى حد احتلال أجزاء اضافية من سوريا• ولكن من يبدأ مثل هذه التدابير لا يمكنه استبعاد تداعي الصراع إلى حد الغزو الكامل في ظروف معينة.
ثالثا: أن سوريا وجنوب لبنان سينظر إليهما كطرف واحد بحيث إذا تحركت سوريا من خلال جنوب لبنان سيقع الانتقام على سوريا وذلك لحرمانها مما يعتقد الأميركيون أنه حرب بالوكالة.
رابعا: أن التدرج من مستوى ضغط إلى مستوى أعلى محكوم بسقف زمني يصعب تقديره بالضبط ولكنه قد لا يتجاوز كثيرا فترة عام واحد للوصول إلى الهدف الأميركي الجوهري وهو تمكن أميركا من إعادة هندسة الأوضاع السياسية في المنطقة وخاصة من خلال الهيمنة على سوريا وذلك قبل الانتحابات الرئاسية الأميركية.
ماذا تستطيع سوريا أن تفعل في مواجهة هذا اللعب الثقيل؟
يبدو أن المهم هو الإفادة من تجربة ودروس العراق• ويعني ذلك عددا من الأمور• أهم هذه الأمور هي التقدير الدقيق للموقف السياسي والعسكري• فالخطأ الرئيسي الذي وقعت فيه الإدارة العراقية للأزمة هو أنها قللت أو تجاهلت جدية التهديد الأميركي• فالمتفق عليه في مختلف الروايات حول تحليل صدام حسين للأزمة هو أنها تجمع على أنه كان يعتقد أن الإدارة الأميركية لن تقدم على غزو العراق• وقد يقع السوريون في الخطأ نفسه فيستبعدون احتمالات واردة بقوة فلا يعدون للأمر عدته سواء بعدم استخدام ما هو متاح لهم من أدوات عسكرية قبل تدميره أو بالتصرف وفقا لقراءة تقلل من سقف التصعيد المحتمل أو تبالغ في قيمة الأوراق السورية• إن التقدير الدقيق للتوازن العسكري السوري-الإسرائيلي يؤكد أن قدرة سوريا على مقارعة إسرائيل عسكريا محدودة للغاية• فإذا اضيفت الضغوط السياسية والعسكرية الأميركية المحتملة سيكون الموقف العسكري التقليدي شبه ميئوس منه• فنظم التسليح السورية الأساسية متقادمة تكنولوجيا لجيلين على الأقل بالمقارنة مع الترسانة الإسرائيلية.
ويعني ذلك أهمية عدم خداع الذات عبر التقديرات الوردية التي تشيعها بعض القوى الراديكالية العربية التي لا تميز بين التمنيات والواقع• وإن الهدف الأول لسوريا يجب أن يكون الإفلات من الفخ لا الدخول بقدمها إليه• ولكن الحرص على عدم الوقوع في الفخ من خلال مجرد ضبط النفس لا ينقذ سوريا• فالفخ المنصوب أميركيا واسرائيليا قد لا يحتاج إلى ذريعة مثل الرد العسكري من جانب سوريا ليتم تصعيد الضغط إلى مستويات أعلى• وبتعبير آخر فإن الضغط العسكري سيتواصل على سوريا سواء قامت بالرد العسكري أم اختارت "ضبط النفس".
إن منطق المصيدة الأميركية قد يصل بنا إلى استنتاج عكسي تماما• فإذا كانت القراءة الدقيقة تقول إن الضغوط العسكرية ستتواصل على سوريا سواء ردت أم لم ترد عسكريا فالأفضل بأي منطق سليم هو أن ترد بتوقيتات دقيقة فتكون قد ثأرت لكرامتها على الأقل ولم تخسر شيئا لم تكن لتخسره فيما لو لم ترد• المفارقة تكمن فيما يلي: كيف يمكن الإفلات من منطق الصراع المنفلت والقابل للتصعيد نفسه بحيث لا تدخل سوريا أصلا في حسابات الرد الذي قد يصير ضروريا وعقلانيا بغض النظر عن نتيجة الصراع العسكري؟
بطبيعة الحال هناك مخرج سهل وهو التسليم من البداية بما يريده الأميركيون وفقا لما جاء في قانون محاسبة سوريا• ولكن هناك حلاً آخر يحفظ لسوريا كرامتها واستقلالها السياسي ودورها الإقليمي وهو حل يقوم ليس على التسليم بالمطالب والأهداف الأمي