درجت القوى الاستعمارية في غابر الأزمان على استنزاف ثروات وخيرات الشعوب المستضعفة وحققت وفرة هائلة استفادت منها في دفع عجلة إنتاجها وصناعاتها بشكل أصابت منه هذا الازدهار والرفاهية التي تتمتع بها في عالم اليوم. ثم لجأت لاحقاً إلى تقديم الديون لهذه الدول المعوزة بهدف مساعدتها إلا أن هذه الديون وفوائدها ظلت تشكل عبئاً هائلاً على عاتق الدول الفقيرة يهدف في غالب الأحيان إلى مصادرة قرارها السياسي، ولجم تطلعاتها في الاستقلال والانعتاق.
استهلت الكاتبة نورينا هيرتز هذا المؤلف "تهديد الديون ولماذا يجب إعفاؤها" - وهو عبارة عن موجة من الانتقادات العاصفة ضد الغربيين من السياسيين والتنفيذيين في البنوك- وهي تستشهد بالغضب العارم الذي اعتمل في نفس أحد المعمرين الإيرلنديين من أساطير موسيقى الروك يدعى "بونو". وبدأت هذا السّفر متسائلة: ما الذي أصاب بونو بالجنون؟ وكان بونو أحد المطربين المخضرمين المتقاعدين قد كرس جهوده لسنوات طويلة لإطلاق حملة غضب شعواء التماساً للرحمة والعفو من ديون العولمة التي بلغت مليارات الدولارات على كاهل فقراء العالم. ويبدو أن الكاتبة أرادت اجتذاب اهتمام القراء الأقل اهتماماً بالشؤون الاقتصادية الجافة حيث مضت تتساءل: ما الذي أثار غضب هذا المغني بالقدر الذي جعله يطوف جميع أنحاء العالم وهو يمارس ضغوطاً على مئات السياسيين بمن فيهم بابا الفاتيكان؟
وتسرد الكاتبة الحكاية المأساوية لتكدس ديون الدول الفقيرة خلال سنوات ما بعد الحرب، ابتداءً من الجيران الأثرياء الحريصين على شراء تعاونهم السياسي ثم لاحقاً من البنوك الخاصة التي تبحث عن مكان تستثمر فيه مليارات البترودولارات التي تدفقت عليها من الدول الغنية بالنفط بعيد الصدمات النفطية التي شهدتها حقبة السبعينيات، وأخيراً من مؤسسات "برتيون وودز" المعروفة باسم البنك الدولي وصندوق النقد الدولي.
فبعد الحرب العالمية الثانية أنفق هذان الكيانان معظم حقبتي الثمانينيات والتسعينيات في فرض حمية اقتصادية صارمة على الدول المدينة أدت في أغلب الأحيان إلى نتائج كارثية. وكانت المؤلفة هيرتز قد عملت في منظمة شقيقة للبنك الدولي وهي مؤسسة التمويل الدولي في روسيا في أوائل التسعينيات، وقد استدعت إلى الذاكرة تلك التغيرات والوصفات التي كانت تفرضها مثل هذه المؤسسات على الدول. مثل المطالبة بتحرير الأسعار تارة وفتح الأسواق وخصخصة المؤسسات الحكومية تارة أخرى، وتعاونها مع خبرات الأشخاص العاديين. وهي تقول "لقد أصبح من الواضح أن تقاليد وثقافة وتاريخ الدول أمر لا يمكن اقتلاعه بين ليلة وضحاها، لذا فإن مبدأ (الحل الواحد الذي يناسب الجميع) الذي نحاول فرضه لن يصادف النجاح في نهاية الأمر.
وإلى ذلك فإن أسعار الفائدة التي تدفعها الدول الفقيرة على ديونها أمر بالغ الحساسية بالنسبة لأحكام السوق على مدى إمكانية الفشل في الإيفاء بهذه الديون. ولقد شهدت البرازيل تراجعاً في أسعار سنداتها في عام 2002 بعد هزيمة المرشح الرئاسي اليساري لويس أناشيو داسيلفا عبر صناديق الاقتراع. وقد تتبعت الكاتبة أثر بعض تجار هذه السندات واكتشفت أن آخر شيء يهتمون به هو الحالة الاجتماعية في الدول المستدينة. وصرح لها أحدهم قائلاً: الخلاصة هي أن الرأسمالية تفتقد إلى الروح.
ونورينا هيرتز التي أطلق عليها اسم "نيجيلا لاوسن الاقتصاد" أضفت على موضوعها اللغة الغاضبة التي يتحدث بها الناشطون والمحتجون ضد العولمة. بالإضافة إلى تعاظم اللهجة المفعمة باللوم الأخلاقي على العالم المتقدم فيما يتعلق بانتشار وباء الإيدز في الدول الفقيرة "وكأن تلك الدول هي التي غرست الحقن الملوثة بالإيدز في أحشاء أمهاتهم وأطفالهم". ومضت تشدد على ضرورة انتهاج فهم جديد لمبدأ "إعفاء الديون". وهي تؤمن بأن العولمة إنما تعني أن الآلام التي لحقت بالعالم النامي الذي دمره الفقر بسبب الإيفاء بمدفوعات وفوائد الديون سوف تمسك بخناق الجميع في نهاية الأمر. وجاء على لسانها "عبر العمل على مفاقمة حالة الفقر وتآكل الإحساس الذاتي الوطني والترويج للسلوكيات في أجزاء من الدول بشكل يلحق الأضرار الجسيمة بكامل كيان المجتمع فقد أصبحت للديون آثارها السلبية البعيدة المدى". ومضت تعدد قائمة تتضمن التدمير الذي لحق بالبيئة وانتشار الأمراض المعدية المستعصية على العلاج وحتى ظاهرة الإرهاب كنتيجة مباشرة لرفض تخليص الفقراء من "تهديد الديون".
وأفردت هيرتز الفصول الأخيرة من الكتاب لخطة متكاملة تهدف لحل هذه الأزمة. وهي توصي بضرورة إنشاء مجلس دولي يخول له التقرير بشأن نوع الديون التي يتعين إعفاؤها وتجريم تلك الديون التي أبرمت مع حكومات غير ديمقراطية واستخدمت ضد مصالح الشعوب وتلك التي كان الدائنون يدركون أن من المرجح إساءة استغلالها. وفي كل حالة يتم فيها الحكم بعدم قانونية أي دين يتعين الإسراع بوضع اليد على الأموال المدخرة وإنفاقها عبر "صندوق قومي للوصاية" من أجل تفادي الفساد والعمل على ضمان أن هذه الأموال سيجري إن