في ندوة نظمت مؤخراً بجامعة جورج تاون حثت كل من لورا بوش وهيلاري كلينتون، ومعهما وزير الخارجية، جون كيري، الأميركيين على عدم التخلي عن النساء الأفغانيات بعد مغادرة القوات الأميركية للساحة الأفغانية في الانسحاب المرتقب السنة المقبلة، وكان واضحاً الجانب العاطفي الذي طغى على مناشدات المشاركين، حيث عبرت كل من لورا وهيلاري اللتين تبنيتا قضية النساء الأفغانيات عن مخاوفهما بشأن مستقبل هؤلاء النساء، وهو ما أوضحتاه بقولهما: «ما أن يغادر الجنود الأميركيون حتى ينصرف الناس بانتباههم بعيداً عن أفغانستان، ولذا نريد من الشعب الأفغاني أن يعرف أن الشعب الأميركي ما زال واقفاً إلى جانبه حتى بعد انسحاب القوات". وفي السياق نفسه ذكر كيري الحضور بمشاعر القلق والخوف التي أبدتها النساء الأفغانيات «باعتبارها مخاوف مشروعة من أن يخسرن المكاسب التي تحققت على مدى العقد الماضي، ما يعني أنه علينا التشديد بأنهن لن يكنّ لوحدهن". ولكن على رغم المشاعر الطيبية التي حفلت بها ندوة جامعة جورج تاون يظل الخوف حقيقياً من تردي وضع النساء الأفغانيات، ولاسيما في ظل الإرهاق الذي أصاب الرأي العام الأميركي من استمرار مساعدة أفغانستان والالتزام بدعمها لفترات طويلة. إذ لا وجود لضمانات من الكونجرس، أو حتى المانحين الدوليين، بمواصلة تمويل المشاريع التي تستفيد منها النساء الأفغانيات بعد عام 2014. ولذا يتعين على كل من يهتم بالموضوع الأفغاني -ولاسيما قضية المرأة التي لا يوجد موضوع آخر يحظى أكثر باهتمام الأميركيين مثلها- البحث عن طرق أخرى لدعمهن، وهو ما يعني جمع الأموال والتبرع للمنظمات غير الحكومية التي تعمل على مساعدة النساء في أفغانستان وتدعمهم على الأرض. وفي هذا السياق تبرز عدة منظمات في مقدمتها منظمة «دعم التعليم في أفغانستان» التي ترأسها حسينة شيرجان التي تحدثت في الأسبوع الماضي أمام «مجلس الشؤون الدولية» بفيلادلفيا، وتشرف منظمتها على إدارة 13 مدرسة موزعة على تسع محافظات تهتم بتدريس النساء والفتيات الكبيرات، بمن فيهن اللاجئات العائدات اللواتي أضعن فرصة متابعة دراستهن في المدارس النظامية خلال السنوات الصعبة التي شهدتها أفغانستان. ولكن قبل إبداء أي انشغال حول مصير النساء الأفغانيات علينا أولاً إلقاء نظرة على وضعن الحالي مقارنة بما كن عليه في السابق، فتحت حكم «طالبان» وقبل التدخل الأميركي لم يكن للمرأة وجود في المدارس بسبب «التحريم» الذي طبقته الحركة على تعليم النساء، وهو وضع تغير تماماً بحلول 2011 حيث استقبلت المدارس أكثر من 2,4 مليون فتاة. وعلى امتداد العقد الأخير الذي شهد تواجد قوات التحالف الدولي تدفقت المساعدات الأميركية على المدارس وقطاع التعليم، وفي المدن الأفغانية اجتاحت النساء الجامعات ليزاحمن الرجال، وقد أتيحت لي فرصة الالتقاء بنساء أفغانيات على درجة كبيرة من الشجاعة أخذن على عاتقهن مساعدة بنات جلدتهن من خلال إنشاء مراكز للإيواء، والدفاع عن حقوق المرأة الأفغانية، والمشاركة في العمل السياسي بدخول البرلمان. ولكن مع ذلك ما زالت المعركة من أجل حقوق النساء في أفغانستان في بدايتها، ولاسيما الحق في التعليم، حيث تعرضت مسؤولات حكوميات للاغتيال والاختطاف، كما أن تعليم الفتيات يواجه خطراً محدقاً في المحافظات الجنوبية والشرقية بعد عودة تهديد «طالبان»، ناهيك عن النقص الذريع في عدد المدرسات، وتقلب أمزجة الأهالي الذين لا يترددون في إبقاء بناتهم في المنزل عندما تسوء الحالة الأمنية، فيما تصل معدلات الأمية بين النساء الأفغانيات إلى عنان السماء. وفي الوقت الذي اعتقد فيه جون كيري خلال الأسبوع الماضي أنه قد نجح في التفاوض مع الحكومة الأفغانية على اتفاق أمني ثنائي يبقي بضعة آلاف من الجنود الأميركيين في أفغانستان باعتباره رسالة رمزية لعدم تخلي الولايات المتحدة عن ذلك البلد، أعلن الرئيس حامد كرزاي فجأة تأجيل التوقيع على الاتفاقية. والحال أنه بدون حضور دولي يخشى العديد من الأفغان عودة «طالبان» وانتهاء الدعم الغربي. ولأن مستقبل الدعم الغربي لأفغانستان غائم وغير واضح يبرز دور المنظمات غير الحكومية في استمرار المساعدات الخارجية، ولاسيما بالنسبة للنساء الأفغانيات مثل الناشطة شيرجان التي نشأت في أفغانستان قبل أن تهاجر إلى الولايات المتحدة كلاجئة، وهي اليوم مصممة على استمرار عمل منظمتها مهما كلفها ذلك، وإن كانت الصعوبات بدأت تظهر بالفعل بعد تقليص الوكالة الأميركية للتنمية الدولية منحها لتصبح بسبب ذلك عاجزة عن دفع رواتب مدرسيها. وتأمل شيرجان في أن يعيد الكونجرس الأميركي النظر في دعمه للمنظمات غير الحكومية العاملة في أفغانستان مثل منظمتها. وفي نفس الوقت تسعى الناشطة لإطلاق حركة تعمل على تكريس السلام من خلال نشر التعليم والتركيز عليه. وهي من أجل دعم مشروعها تحاول استغلال تواجدها بالجامعات الأميركية كمحاضرة لربط الاتصال بين الطلبة الأميركيين ونظرائهم الأفغان للتعريف بالتحديات التي تواجهها النساء على أمل أن ينجح الطلبة الأميركيون في تعبئة الرأي العام وجمع تبرعات تساعد المرأة الأفغانية. وبالنظر إلى حالة عدم اليقين المخيمة على الدور الأميركي المستقبلي في أفغانستان والخوف من تراجع الدعم الفيدرالي فإنه لا مناص من تعزيز دور المنظمات غير الحكومية والمشاريع الميدانية الأخرى، المرتبطة بالشعب الأفغاني، ولاسيما تلك التي تستهدف المرأة باعتبارها الحلقة الأضعف والأكثر هشاشة في المجتمع الأفغاني. -------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة «إم سي تي إنترناشونال»