سوف يأتي اليوم الذي يعود فيه المؤرخون بذاكرتهم إلى «إعصار هايان» الذي ضرب الفلبين مؤخراً باعتباره يمثل نقطة تحول بارزة في صحافة تغطية الكوارث، ودافعاً قوياً لإعادة النظر في السياسات المعتمدة الآن والمتعلقة بالتصدي لمشكلة التغير المناخي. وللمرة الأولى، تتخلى كارثة مناخية محلية عن شعار «صنع في آسيا» لتتحول إلى ظاهرة ذات تداعيات خطيرة في مناطق أخرى من العالم. وعادة ما تبدأ عملية التغطية الصحفية للعواصف والأعاصير والفيضانات وضربات الجفاف، وتنتهي بطريقة البثّ المباشر من مواقع الحدث للحالات المأساوية الواقعة على الأرض. وغالباً ما تتم صياغة الأخبار المتعلقة بالأعداد الأولية للضحايا بطريقة التجميع من خلال الروايات التي يدلي بها الناجون الذين فقدوا بيوتهم وأحباءهم. وأما الحقيقة التي تفيد بأن الصورة الواحدة تروي ألف كلمة، فتكون صحيحة في أعراف صحافة الكوارث. وعند تصوير المشاهد الصادمة للبيوت المُحطّمة والجثث الطافية فوق مياه السيول والأطفال المشردين الذين يبكون مصير آبائهم، تكون النسبة بين قوة التعبير التي تنقلها الصور، وتلك التي تشرحها النصوص المكتوبة، عالية جداً في أي تقرير صحفي. وتركز هذه الصور على المكان الأساسي الذي حدثت فيه الكارثة (نقطة الصفر). ولو كان الأمر يتعلق بتغطية المد البحري «تسونامي» الذي ضرب إقليم آتشيه في إندونيسيا، أو الفيضانات التي تتردد على باكستان، أو إعصار الفلبين، فإن التغطية الصحفية للكوارث غالباً ما يتم النظر إليها في مراكز الصحافة الحديثة باعتبارها مجرّد نافذة للتعرف على منطقة غير مشهورة من مناطق العالم. وغالباً ما نمثل نحن المواطنين العاديين دور المستهلكين للأخبار الواردة من تلك المناطق. إلا أن هذا الموقف يجب أن يتغير، لأن النظام المناخي العالمي لا يعترف بحدود ومواقع الدول والبلدان، ولم تعد المعاناة من نتائج إعصار «هايان» محصورة بالفلبينيين وحدهم. وكان الباحث الأكاديمي في شؤون المناخ «ناديريف سانو» المشارك الفلبيني في المنتدى السنوي حول التغير المناخي الذي تنظمه الأمم المتحدة في العاصمة البولندية وارسو، قد عمد إلى تغطية النتائج الماثلة على الأرض بعد انتهاء الإعصار الأسبوع الماضي وانتهى إلى إطلاق صرخة مؤثرة داعياً العالم فيها للقيام بعمل ما لوقف ظاهرة تغيّر المناخ عند حدودها. ولم يتم التقاط صرخته المؤلمة التي يدعو فيها إلى التصدي لخطر المجاعة في المناطق التي ضربها الإعصار عبر وسائل الإعلام الواسعة الانتشار، بل عن طريق فيلم فيديو التقطه كمصور هاوٍ وقام بتحميله على موقع «يوتيوب». وبدأ «سانو» فيلمه بتسجيل مشاهد الحزن الذي ارتسمت في عيونه عندما كان يعزي أهالي ضحايا إعصار «هايان»، رافضاً تناول الطعام تضامناً مع سكان المنطقة الناجين الذين حكم عليهم الإعصار بالموت في المستقبل لو بقيت انبعاثات غازات الكربون في العالم على وتيرة ارتفاعها الراهنة أو إذا لم يتم العمل على التحكم فيها. ويعترف خبراء المناخ الذين اطلعوا على طريقة "سانو" في تغطية وقائع الكارثة بأنه على حق. ذلك لأن مياه المحيط حول جزر الفلبين أصبحت الأكثر سخونة في العالم، كما أن درجة حرارتها ترتفع وفق معدل غير مسبوق. وهكذا أصبحت منطقة جنوب شرق آسيا معرضة بشكل دائم لهبوب الأعاصير وكان من المحتوم على الناس أن يحاولوا التأقلم معها. وهذه المياه الأكثر سخونة هي التي تعمل على توليد الأعاصير العاتية وإطلاقها من عقالها، ولهذا السبب باتت تشكل عامل تهديد للبشرية جمعاء. ولم تعد طرق بناء العمارات والأبراج القوية المدعّمة بالأعمدة الفولاذية تجدي نفعاً للصمود أمام هذه الأعاصير. ولا يمثل إعصار «هايان» إلا بداية لنظام جديد من الظواهر المناخية العنيفة التي بدأ كوكبنا يعاني منها. وفي هذا النظام، تنطلق الأعاصير من مكامنها بشكل دوري رتيب لتصيب سكان المناطق الساحلية بأفدح الخسائر ولتتأثر اقتصادات الدول الموبوءة بها بأعظم الأضرار. ولم تعد صحافة الكوارث محلّية الطابع. ولقد تعلمنا من إعصار هايان درساً يفيد بأن المخاطر الكبرى التي تهددنا ترتبط بشكل مباشر بمقدار ما نطلقه في الجو من غازات الكربون. وسبق أن تحولت الكوارث المناخية لجنوب شرق آسيا من أحداث إقليمية محلية إلى أحداث عالمية. ودليل ذلك ما تعلمته أنا شخصياً من خلال البحث الذي أنجزته حول ثوران بركان جبل «تامبورا» في أندونيسيا عام 1815. وحدث أن أطلق جبل «تامبورا» في ذلك العام أعظم انفجار بركاني تشهده الأرض خلال ألوف السنين. وكان لهذا الحدث الجلل أن يصيب النظام المناخي لكوكب الأرض برمته بتغيّر كبير وبفوضى عارمة. وأدت سحب الغبار البركاني والغازات السامة إلى إتلاف المحاصيل على طول المساحات الشاسعة الممتدة من إندونيسيا حتى إيرلندا في أقصى شمال القارة الأوروبية، وتدفق ملايين اللاجئين الإندونيسيين من القرى والأرياف ليحطوا رحالهم في المدن الكبرى. وانتشرت الأمراض والأوبئة التي ترافق المجاعة عادة، مثل التيفود والكوليرا. وقضت الحرائق الناتجة عن ألسنة اللهب والحمم التي لفظها البركان على مساحات غابية واسعة. ومن بين القصص المحزنة التي ما زال الناس يتداولونها حتى الآن حول تلك الكارثة أن المجاعة التي أعقبت البركان دفعت بعض الآباء والأمهات إلى قتل أبنائهم رحمة بهم من آلام المجاعة التي كانوا يعانون منها. وأما الدرس الذي يمكن استقاؤه من بركان "تامبورا" فهو أن "التغير المناخي يُغيّر كل شيء"، وبسرعة لا يمكننا أن نتوقعها. ولا شك أن كارثة تامبورا التي دامت ثلاثة أعوام (من 1815 حتى 1818) لفتت انتباه العالم إلى تلك المنطقة المنفردة من العالم التي تعرضت للضرر، إلا أنها تجبرنا الآن على التفكير في تأثير مثل هذه الكوارث على مستوى كوكبنا برمته. جيلين دارسي وود خبير في قضايا التغير المناخي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس"