نشرت أكاديمية الحسن الثاني للعلوم والتقنيات تقريراً في غاية الأهمية عن تطوير البحث العلمي والابتكار التكنولوجي لربح معركة التنافسية في المغرب، وأغلب التوصيات المنبثقة عنه تطبق على واقع العديد من دول المنطقة. فدولنا لا تستثمر إلا قليلاً في مجال البحث العلمي والابتكار التكنولوجي، مع العلم أن هناك تطوراً إيجابياً نسبياً للإنفاق الداخلي للبحث التنموي الوطني، وارتفاعاً ملموساً لمساهمة القطاع الخاص والمؤسسات العمومية غير التابعة للجامعات في المجهود الوطني لتمويل أنشطة البحث العلمي، وخصوصاً المكتب الشريف للفوسفاط وقطاع الطاقة المتجددة، وإذا كانت مساهمة قطاع التعليم العالي الجامعي في الإنفاق الداخلي للبحث التنموي الوطني بنسبة تفوق 45 في المئة، فإن النسبة المئوية للناتج الداخلي الخام المخصصة للبحث العلمي أقل من 1 في المئة. وفي المغرب، تم ابتداء من سنة 2000 وضع مخططات للتنمية القطاعية من طرف السلطات العمومية، أهمها: - مخطط المغرب الأخضر الذي يهدف من جهة إلى تصنيف البيئة الزراعية والإيكولوجية للمجال وتحديد قدرته الزراعية، وأيضاً معرفة الموارد الطبيعية التي يحتوي عليها مع المحافظة عليها وتدبيرها بصفة مستدامة، ومن جهة أخرى يهدف إلى تأهيل مختلف أصناف الإنتاج الغذائي، وإلى الرفع من قدرته التنافسية؛ كما أن دراسة منظومة الإنتاج والبيئة الاقتصادية والاجتماعية والمؤسساتية، وكذلك تطوير التكنولوجيات الملائمة تعتبر بدورها جزءاً من هذا المخطط. - المخطط الأزرق الذي يطمح إلى رفع القدرة الإيوائية السياحية إلى ثلاثة أضعاف لما هي عليه الآن، وإلى تطوير قطاع السياحة، وجعله مصدراً للدخل وضمان سياحة مستدامة ومسؤولة. - مخطط أليوتيس « Halieutis » البحري الذي يهدف إلى ضمان استغلال مستدام للثروات السمكية، وتعزيز القدرات التنافسية، وتحسين الجودة والأداء المتميز لقطاع الصيد البحري. - مخطط الطاقة الذي يصبو إلى بناء خمس محطات لتحويل الطاقة الشمسية بهدف تقليص الاعتماد على النفط المستورد، والوصول في عام 2020 إلى إنتاج 42 في المئة من حاجيات المغرب للكهرباء. ويتضمن هذا المخطط عدة تدابير ترمي إلى تشجيع مصادر الطاقة المتجددة، وحماية البيئة باستعمال التكنولوجيات النظيفة، وتحسين النجاعة الطاقية في مسلسل الإنتاج وفي تشييد المباني والخدمات، والحد من تأثير النقل على استهلاك الطاقة وتشجيع الاستثمار. - ثم على مستوى الميدان الصناعي، يتضمن برنامج إقلاع Emergence «المهن العالمية للمغرب»: الأنشطة الخدماتية عن بعد Offshoring وصناعة السيارات، وصناعة الطيران، والصناعة الإلكترونية، والصناعة الغذائية، وصناعة تحويل المنتجات البحرية، والصناعة التقليدية العصرية وصناعة النسيج. ويحاول المغرب بفضل هذه البرامج جلب المزيد من المستثمرين الأجانب. إلا أن الطموحات المشروعة لهذه المخططات التنموية القطاعية لا يمكن تحقيقها على أرض الواقع، ولا يمكنها أن تعطي النتائج المنتظرة منها كاملة، إلا إذا لعب البحث العلمي والابتكار التكنولوجي دور المحرك الأساسي لها، وتم ضمان تكوين الأطر والكفاءات ذات المؤهلات العالية وبالأعداد الكافية... فالبحث العلمي والابتكار التكنولوجي، وهما موضوعا منتدى فاس لهذه السنة، يسهمان في الواقع ليس فقط في جلب الاستثمار، ولكن أيضاً في إدماجه في النسيج الاقتصادي الوطني من خلال عملية نقل التكنولوجيا؛ وبهذه الطريقة سنضمن دوام هذه الأنشطة الاقتصادية واستقرارها في المغرب. ولذا وجب وضع استراتيجيات وطنية لتكوين أجيال جديدة من الباحثين وتعبئة الأطر والكفاءات لمضاعفة الإنتاج العلمي وضمان جودته؛ كما وجب إصلاح جذري للمنظومات الوطنية للتربية والتكوين والبحث العلمي، وجعلها قادرة على مصاحبة ومواكبة مخططات التنمية القطاعية حتى تنعم بالشمولية والانسجام، وتكون قادرة على تعبئة جميع هياكل البحث والقضاء على أسلوب التكرار في الاختصاصات والقرارات وتحسين الحكامة؛ كما وجب الرقي بجودة تدريس العلوم والتقنيات على مستوى المناهج وفي جميع المسالك الدراسية، وذلك أيضاً بتشجيع النهج القائم على التجربة والملاحظة والتمييز والتفكير من أجل الحصول على استيعاب جيد للمعارف وتنمية الثقافة العلمية والتقنية... ولا غرو أن النشر المنهجي لهذه الثقافة، كما يؤكد ذلك التقرير الأخير لأكاديمية الحسن الثاني للعلوم والتقنيات، انطلاقاً من مؤسسات التعليم والجامعات ومراكز البحث وعن طريق استعمال وسائل الإعلام السمعية والبصرية، ينبغي أن تصبح له مساهمة كبيرة في تنمية الأوطان العربية. وأخيراً خلخل تقدم تكنولوجيا المعلومة والاتصال مناهج التعليم والتعلم، حيث أصبح من الصعب على أستاذ الجامعة العصرية، غير الملم بالتقنيات الجديدة للتواصل مثل iTune والحياة الثانية second life، ويوتيوب Youtube أو الدروس المجانية عبر الخط، مثل MIT Open courseware أو edX أو khan Academy، أن يتكيّف ويتماشى مع طلاب هم على دراية كبيرة بوسائل الإعلام الاجتماعي. وعلاوة على ذلك، فاللغة المهيمنة على مواقع الإنترنت هي الإنجليزية (57 في المئة)، متبوعة من بعيد باللغات الأخرى: الألمانية (6,5 في المئة)، والروسية واليابانية والإسبانية والصينية (4 و5 في المئة ) وأخيراً الفرنسية بنسبة (3,9 في المئة). وهذا أحد التحديات الرئيسية التي تواجهها الجامعات حديثة النشأة وتتمثل في إقامة أرضية تكنولوجية تمكن الطلاب والأساتذة من الوصول إلى المعارف المتوافرة والمجانية. وهكذا، يمكن للأساتذة التحرر من قيد إعادة خلق الدروس، وبالتالي استغلال وقتهم في تدريب الطلاب بدل إغراقهم بمعلومات متوافرة في الإنترنت.