تكشف الفضائح التي عرفها العالم في السنوات الثلاث الأخيرة، من «ويكيليكس» إلى وثائق الاستخبارات الأميركية، إلى المعلومات التي تتكشف كل يوم عن تجسس الأمن الأميركي على الدول ورؤسائها، ومؤسساتها، تكشف حقيقة الحواجز التي تفصلنا عن بعضنا بعضاً، وأنها هشة للغاية، وأن ما نظنه ستاراً حديدياً من السرية، ليس إلا كما يقال في المثل الشعبي (ستر عنز)، فما أسرع ما ينجلي ما وراءه، وتتهاوى كل الأكاذيب، وأن كل الاحتياطات التي تحاك حولها الأساطير ما هي إلا سدود من ورق، مرهونة بنزوة عميل غاضب، أو فوضوي مجند ضمن حركات ناشطة تهدف إلى خلط كل شيء وإحداث أجواء من عدم الثقة بين الدول، ورؤسائها، ومؤسساتها، واستغلال هذه الثغرات لتحقيق أهدافها. قبل سنتين تسربت من الشرطة البريطانية أقراص تحوي معلومات ما يزيد على مليوني مواطن بريطاني. وكثيراً ما قرأنا أن معلومات ضخمة وحساسة جداً وذات ارتباط بأمن دول، واستقرار مجتمعات تكون تحت رحمة يقظة أو انتقام موظف. وقبل سنوات حرم آلاف من الجنسية في بلد عربي بعد ما يقال إنها معلومات سربها موظف مرتشٍ في دائرة الأحوال في بلد مجاور. من الواضح أن ثمة تياراً عالمياً يسعى إلى خلق أجواء من عدم الثقة، وإلى التشكيك بقدرة الكيانات المركزية على الالتزام بأكبر قدر من المسؤولية واحترام المجتمعات التي تدير شؤونها. ويقبع خلف كل هذه الكوارث المعلوماتية، سعي محموم لا يكل ولا يمل إلى تفكيك وضرب أي تنسيق دولي ذي طبيعة أمنية. ومن يظهرون لنا على أنهم أفراد ذوو نزوات، أو غريبو أطوار، قد يكونون كوادر وأدوات تسعى إلى تنفيذ مخطط يتجاوز الحوادث التي يعلن عنها كل فترة. ومثل هذا يمكننا القول عن الحريات الإعلامية التي تنذر بإثارة الاضطرابات واختراق الدول، وقد تتسبب بشراء الذمم، وتدمير قيم مجتمعات حافظت على تقاليد كانت هي سر تماسكها والتحامها قروناً ودهوراً من التاريخ. في النصف الثاني من القرن الماضي، كان ليو شتراوس وهو فيلسوف أميركي من أصل ألماني، أحد أكبر الحكماء الذين عرفتهم البشرية، إلا أن أفكاره الجريئة التي كان يخص بها طلابه ومريديه لم تلق الاحترام والتقدير الذي يليق بها، على رغم تأثيره العميق في الثقافة السياسية الأميركية، حيث اعتبرت أفكاراً رجعية، وتتفق فلسفته التشاؤمية إلى حد كبير مع حكم القدماء، حيث يكون فائض المعلومات الزائد عن الحاجة مضراً بالانسجام الاجتماعي، ووسيلة فتاكة إذا تمكن منها العامة. في المنظور الأوسع والأبعد فالإنسانية ازدادت غوغائية، والرعاع بازدياد نتيجة هذه الحريات الإعلامية. ومن يلقي نظرة على «تويتر» يجد مثالاً واضحاً لملايين من المغردين يجدون في أنفسهم القدرة على إدارة شؤون البلاد، ويعكفون ساعات في إعطاء النصائح والتطاول والشتم لأكبر العقول السياسية حكمة ونضجاً. وهم دون أن يشعروا يشيعون من دون قيد ولا رقيب كل ما تقع عليه أعينهم وكل ما تتلقفه آذانهم، من المعلومات التي كثيراً ما تكون ثغرات أمنية ضد بلدانهم وأهلهم وأمنهم القومي. ما يثير الدهشة أن مدن ومجتمعات المستقبل التي يفيض بها خيال الكتاب، وتتنبأ بها الروايات منذ جورج أورويل إلى أكثر الأفلام إثارة وغموضاً وإدهاشاً، كلها تظهر مجتمعات أحكمت السيطرة عليها من قبل نخبة حاكمة، حيث تتحول الجموع الغفيرة إلى قطعان مستكينة، وأرقام يمكن التحكم بها. ولكن من المؤكد أنه كلما اتسع مدى نفوذك الاستخباراتي، كلما احتجت إلى جيوش من المخبرين، من هذه الحشود التي لم تخضع لتربية أخلاقية صارمة، تكون قد صنعت أعداءك الحقيقيين.