قضيت الأسبوع الماضي في إندونيسيا لإنجاز حلقات مسلسل لصالح إذاعة محطة "بي بي سي" البريطانية يدور حول أشهر أربعة اقتصادات ناشئة من خارج مجموعة "دول بريك" BRIC (وهي الدول الأربع: البرازيل وروسيا والهند والصين والتي اشتق اسمها من جمع الأحرف اللاتينية الأولى لأسمائها) والتي سبق أن استمع إلى أخبارها المشاهدون وباتوا يعرفون عنها الكثير. أما المجموعة الثانية التي كانت موضوع مشروع دراستي فهي: المكسيك وإندونيسيا ونيجيريا وتركيا (أو مجموعة "مينت" MINT وفقاً لطريقة التسمية السابقة)، وهي التي تستحق اهتماماً لا يقل عن سابقتها وتحتكم في نموها إلى أجيال نشيطة قادرة على الإنجاز خلال السنوات العشرين المقبلة على أقل تقدير، وتستأثر بتوقعات اقتصادية وتنموية مدهشة. وكثيراً ما بادرني صنّاع القرار السياسي والمفكّرون في مجموعة دول "مينت" بالسؤال عن السبب الذي دفعني لفصل دولهم عن تصنيف مجموعة دول "بريك". ويمثل الجواب عن هذا السؤال محوراً أساسياً في دراستي المقارِنة التي أعرض لها فيما يلي. فلقد تمكن الإندونيسيون من تسجيل النجاح المبهر بالاعتماد على قواهم الخاصة. وكنت خلال السنوات الماضية، ومن خلال مشاهداتي الشخصية، أتساءل: ألا يبدو مستقبل الاقتصاد الإندونيسي أكثر قوّة وإشراقاً وإثارة للإعجاب من الاقتصاد الروسي؟. بالرغم من الحجم الكبير للشريحة الشابة من سكان إندونيسيا (والذي يعد من الأصول الاقتصادية المهمة)، كنت أعتقد أن من المستبعد أن تتمكن هذه الدولة من تحقيق اختراقات على جبهة السياسة الاقتصادية تكون كافية للتعبير عن تلك القوة الكامنة فيها. والآن، وبعد عقد اجتماعات متعددة مع شرائح اجتماعية وسياسية إندونيسية متعددة المشارب وتتنوع بين مرشحين للانتخابات الرئاسية لعام 2014 وحتى المتسوقين البسطاء في مراكز التسوق الكبرى التي أصبحت تزخر بها جاكارتا، وقعت على انشغال محموم وصحّي عند الناس بالعمل على تحقيق الطموحات الاقتصادية التي تخطط لها إندونيسيا. وكانوا جميعاً يتساءلون: هل ستتمكن حكومتنا من تحقيق معدل النمو السنوي المستهدف والبالغ 7 بالمئة أو أكثر، أم أنه سيقف عند 5 بالمئة فقط؟ وخلال رحلتي هذه، بلغني خبر يفيد بأن وزير الاقتصاد الروسي "أليكسي أوليوكاييف" قال في بيان صحفي إنه يتوقع أن ينمو اقتصاد بلاده بمعدل 2.5 بالمئة سنوياً خلال السنوات العشرين المقبلة. فكيف يمكن لهذا أن يعكس مستوى الطموحات بين البلدين؟ دفعتني هذه المقارنة إلى حالة من الشك بالقدرة التنموية التي تعنيها كلمة "روسيا". وبالطبع، إذا لم يكن في وسع روسيا أن تنمو بأكثر من معدل 2.5 بالمئة سنوياً خلال هذا العقد أو ما بعده، وهو معدل قليل جداً لا يحتاج تحقيقه إلى معجزات، فإن هذا سيكون مدعاة للقلق. ليس فقط لأن روسيا تواجه تحديات الهبوط السريع في عدد سكانها أثناء اتجاهها نحو عام 2050. ففي ذلك العام سينخفض عدد الروس إلى ما يقارب 100 مليون نسمة بالمقارنة مع عددهم الآن الذي يبلغ 140 مليون نسمة. ومن شأن هذا التراجع الكبير في القوى البشرية أن يزيد من تباطؤ الاقتصاد أكثر وأكثر. ولا شك بأن الأداء الاقتصادي لروسيا في الأوقات الراهنة يمكن أن يوصف بأنه ضعيف، وأن المعضلة السكانية لا تمثل المشكلة الوحيدة التي تعاني منها البلاد. وصحيح أن روسيا بلغت منذ زمن بعيد حالة الاكتفاء الذاتي في البترول والغاز الطبيعي وأصبحت واحدة من الدول الكبرى المصدّرة للطاقة، إلا أنها تلوّثت بجرثومة الفساد المالي والإداري، وهي تفتقد لمنظومة قانونية فعّالة ونزيهة لإدارة أساليب التعامل بين الشركات وأرباب العمل والمؤسسات الحكومية. وبالرغم من كل هذا فإن المرء يعجب من مبررات النزعة المتشائمة في عقلية "أوليوكاييف". ولعل الغريب في الأمر أن المسؤولين الروس كانوا قبل مدة قصيرة يرددون عبارات يعمرها الشعور بالتفاؤل. وأتذكر في هذا الشأن تصريحات صدرت عنه عام 2008 في مدينة سان بطرسبرج مفادها أن النمو الاقتصادي في روسيا سوف يبلغ 4 بالمئة سنوياً أو أقل بقليل حتى عام 2020. وكان الخطأ الكامن في هذا التوقع هو أنه استند إلى الافتراض بأن أسعار النفط ستواصل ارتفاعها الرتيب خلال هذه السنوات. وبالرغم من أن الروس تحدثوا عن هذه الأمور بكل وضوح، إلا أنني أشك في النوايا المضمرة وراء هذه النبرة التشاؤمية الجديدة التي طلعوا بها. فربما يكون بعض صنّاع السياسة الاقتصادية هناك من ذوي التأثير القوي يحاولون تأمين الدعم لهم للحملة الإصلاحية عن طريق القول: انظروا ما الذي كان سيحدث لو لم نكن في سُدّة الحكم. ونحن نأمل أن يكون شكّنا في محله لأن ذلك سيوحي بأن الاقتصاد الروسي لا يعاني أزمة تنموية حقيقية. وخلال الأسبوع الماضي، شهدت الصين عقد اجتماع ضخم ضمّ كبار قادتها، وكما قلت في كتابي الجديد الذي حمل عنوان (طريق "دول بريك" للنمو)، فإن الصين باتت تلعب دوراً متفرّداً في هذه المجموعة، ليس بسبب حجمها الجغرافي والسكاني الضخم فحسب، بل بسبب انتشارها الاقتصادي العالمي الواسع وطموحاتها العريضة. ولكن، وبالرغم من كل هذا، فإن أهدافها التنموية يجب أن تُوضع لها حدود. وتشير تقارير حديثة إلى أن الحكومة الصينية تسعى الآن لتأسيس "اقتصاد مبني على الزبائن" يهدف إلى توسيع دائرة المستهلكين لصادراتها من السلع والبضائع ذات النوعية المنخفضة أو الرديئة عبر العالم من جهة، وعلى الاستثمارات الموجّهة من الدولة من جهة ثانية. ------ جيم أونيل الرئيس السابق لشركة "جولدمان ساكس لإدارة الأصول المالية" ------- ينشر بترتيب خاص مع خدمة "واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس"