جَدَّد الاعتراض العراقي على التدخل العسكري التركي في العراق بطلبٍ من الولايات المتحدة، التفكير الذي كان قائماً، على موقع العراق، والدولة العراقية في العهد الملكي وبدايات العهد الجمهوري• المُلفت للانتباه أنّ الاعتراض على دخول عشرة آلاف عسكري تـركي إلى العراق بطلبٍ من الولايات المتحدة، كان شاملاً، وما اقتصر على الأكراد• الاكراد كانوا طبعاً أول المعترضين؛ مع أنّ رئيس الوزراء التركي، ووزير خارجيته حاولا طمأَنتهم، وتخفيف اعتراضهم، بالقول إنّ هناك قوات أمنية تركية فعلاً في كركوك ونواح أخرى في شمال العراق؛ ولذلك فإنّ القوات الجديدة ستنتشر في مواطن أخرى بالبلاد، للمساعدة في تثبيت الأمن• وتتحدث الصحف الأميركية عن "المثلَّث السُنّي" الممتد ما بين بغداد وتكريت، باعتباره احتمالاً راجحاً لانتشار القوات التركية• وقد سارع أعضاء آخرون في مجلس الحكم الانتقالي إلى إضافة اعتراضهم إلى رفض الاكراد؛ بيد أنّ أحداً منهم لم يصل في رفضه إلى ما وصل إليه مسعود البارزاني، الذي هدَّد بالاستقالة من مجلس الحكم، في حال إصرار الأميركيين على إدخال العسكر التركي إلى العراق• والطريف أنّ وزير خارجية العراق المعيَّن هوشيار زيباري (وهو كردي) لجأ إلى سوريا والسعودية ومصر، والجامعة العربية للإعانة في تجنب الكأس المرة المتمثلة في دخول التُرك! والمعروف أنّ علاقة الاتراك بنظام الحكم العراقي السابق، اختلفت عن علاقة ذلك النظام في إيران• فقد كان هناك منذ البداية تعاونٌ بين نظام صدام حسين والنظام التركي ضدَّ التحركات الثورية الكردية في البلدين وعبر الحدود• وفي البداية أعان الأتراك صدّاماً ضد التمرد الكردي في شمال العراق، وبعد عام 1987 (عندما أخمد صدام التمرد الكردي الثاني في عهده)، سمح النظام العراقي للجيش التركي عملياً بدخول شمال العراق ساعة يشاء لملاحقة حزب العمال الكردي (التركي)، والقضاء على مقاتليه الذين كانوا يجأون للطالباني، ثم في النصف الثاني من التسعينات للبارزاني• وما كان التعاوُنُ بين النظامين قاصراً على العمل ضد التنظيـمات الكردية ؛ بل شمل أيضاً فتح المعابر الحدودية - عبر المنطقة الكردية!- في فترة الحصار، واستقلال الأكراد برعاية الولايات المتحدة• وقد حصلت تركيا في هذا الصدد على إذنٍ تارةً وغضّ نظرٍ تارةً أُخرى من جانب الولايات المتحدة، بحجة الضرر البالغ الذي يلحق باقتصادها فيما لو أُقفلت الحدود• وقد أرادت الولايات المتحدة في البداية (بين 1992و1995) تسريع إسقاط نظام صدام من طريق تشديد الحصار• ثم رأت أنّ المنطقة الكردية تحتاج إلى حوالي الـ 20 مليون دولار شهرياً للإدارة، فضلاً عن عشراتٍ أُخرى لمعيشة المواطنين، وحركتهم التجارية• ولأنها ما كانت تريد الاستمرار في دفع الأموال، وتخفيفاً للتوتر فيما بين التنظيمين الكرديين الكبيريين اللذين كانا يتصارعان على حركة التهريب ومداخيلها، وإرضاءً لتركيا؛ فقد سمحت بمعبرين "شرعيين" بين المنقطة الكردية وتركيا، تتصل طريقهما طبعاً بالمنطقة التي يسيطر عليها نظام الرئيس صدام حسين، الذي كان يصدّر النفط من هذا الطريق، ويستورد ويتاجر ويهرّب من طريق ابنه عدي وآخرين.
تقول تركيا إنّ مشكلتها مع المنطقة الكردية في العراق تتركز في ثلاثة أمور: إيواء عناصر من حزب العمال الكردي الآتية هاربةً من تركيا الآن، ومن تركيا وسوريا سابقاً-وحماية التركمان في كركوك والقرى المحيطة من تعصب الأكراد- ومنع وقوع شمال العراق تحت سيطرة الأكراد بالكامل، خشية إقامة دولةٍ كردية في العراق (الأكراد فيها حوالي الـ4 ملايين)، تؤدي في مرحلةٍ لاحقةٍ إلى محاولة إقامة دولة كردية بتركيا (من 10 إلى 12 مليون كردي)• والواقع أنّ وجود الأميركيين بشمال العراق الآن، ووجود عناصر أمنية تركية معهم، وعسكر تركي على الجانب الآخَر من الحدود يعبرها ساعة يشاء ؛ كلُّ ذلك يمنع عناصر حزب العمال الكردي من الدخول إلى العراق• بيد أنّ الاضطراب حاصلٌ فعلاً بين التركمان والأكراد في كركوك وغيرها• وقد وقعت عدة حوادث، وكانت هناك احتجاجاتٌ من جانب التركمان والمسيحيين على درجة تمثيلهم في مجلس الحكم، وفي الحكومة• وتختلفُ التقديرات لأعداد التركمان والآشوريين؛ وهذه لن تحلَّها الانتخابات، ولا الفيدرالية• فالفيدراليةُ تُوقعُ التركمان تحت سيطرة الأكراد، والانتخابات (بدون نِسَبٍ ومحاصصة) توقعُهم ضحيةً للأكثرية الكردية والعربية• وتبقى مسألةُ الدولة (الكردية) التي يخشاها الجميع وليس الأتراك فقط• يخشاها العرب في العراق، لأنها تهدّد وحدة البلاد• ويخشاها الإيرانيون، لأنّ عندهم مشكلةً كرديةً أيضاٍ، وإن لم تبلغ في حجمها مشكلةَ تركيا• وتخشاها عشائرُ كرديةٌ، ويخشاها تجارٌ أكراد، منتشرون خارج منطقة الأكثرية، لما يترتب على التقسيم الإثني والديني للعراق من إضرارٍ بمصالحهم.
جدَّدت المشكلةُ الحاليةُ بين الأتراك والعراقيين، ذكريات علاقات التجاذُب والتوازن بين الإيرانيين والاتراك تُجاه العراق• فالمعروف أنّ العراقَ سقط بسق