في كل عام يقدم المؤتمر السنوي للطاقة والذي ينظمه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية بأبوظبي ما هو جديد في شؤون الطاقة وتحدياتها، وهو ما يمس بصورة مباشرة مصالح البلدان المنتجة للنفط والغاز، حيث ركز المؤتمر التاسع عشر والذي عقد مؤخراً على مسألة غاية في الأهمية تتعلق بالوقود الأحفوري غير التقليدي (النفط والغاز الصخريين)، والذي يعتبر ثورة هيدروكربونية مقبلة لا بد من الاستعداد لها والتعامل معها، وذلك نظراً لتأثيراتها المباشرة على إنتاج النفط والغاز في العالم. وتشير العديد من الدراسات والبحوث التي قدمت للمؤتمر إلى أن تداعيات زيادة إنتاج النفط والغاز الصخريين لن تقتصر على التأثيرات التجارية المتعلقة بالإمدادات والأسعار، وإنما ستشمل هذه التغييرات جوانب استراتيجية وجيوسياسية وإعادة خريطة التحالفات الإقليمية والدولية، وهو ما بدأت بوادره في البروز من خلال التودد الأميركي المبالغ فيه لإيران بعد التقارير التي تشير إلى إمكانية تحول الولايات المتحدة إلى مصدر للنفط الخام في السنوات القادمة، وذلك بعد تحولها إلى مصدر رئيسي للغاز الطبيعي في السنوات القليلة الماضية. وفي مقاربة ذات مغزى كبير، فإن قيمة الغاز الصخري الأميركي المصدر للأسواق الأوروبية يبلغ 6 دولارات للوحدة، مقابل 8 دولارات للغاز القطري، مما يعني تغير أسس المنافسة في سوق النفط والغاز بعد بروز لاعبين جدد، مما يتطلب من المنتجين التقليديين التوافق مع هذه المتغيرات الجديدة للمحافظة على مصالحهم. ومع أن التكاليف تلعب دوراً بارزاً فيما يتعلق بالنفط، إلا أن التقدم التكنولوجي سوف يقلل من الفارق في تكاليف الإنتاج بين حقول النفط التقليدية والصخرية، مما سيؤثر في الأسعار والتي يمكن أن تتدنى عن مستوياتها الحالية، مثلما حدث لأسعار الغاز، والتي تدنت بنسبة كبيرة بلغت 73 في المئة منذ عام 2008 وحتى الآن. وقد أشار الدكتور جمال سند السويدي لدى افتتاحه المؤتمر إلى أنه «من المهم أن نعرف ما لنا وما علينا» من خلال دراسة مستجدات الطاقة، إذ في الوقت الذي تحاول فيه واشنطن والعواصم الغربية الابتعاد عن النفط الخليجي، فإنه لا خيار لدى آسيا إلا الاعتماد على نفط الخليج، وذلك على الرغم من سعيها، وبالأخص الصين والهند لإنتاج النفط والغاز الصخريين في السنوات القادمة، وذلك بسبب الارتفاع في الطلب على مصادر الطاقة في البلدين والناجم عن النمو السريع لاقتصاديهما. وبالإضافة إلى الصين والهند، فإن اليابان تعتبر أكبر مستورد للغاز في العالم، تليها كوريا الجنوبية في المرتبة الثانية، مما يعني أن البلدان الآسيوية أضحت معنية أكثر من الولايات المتحدة وأوروبا بأمن الخليج واستقراره، فمصادر الطاقة الخليجية بالنسبة لها تأتي في المرتبة الأولى، وهي مساوية لنفس أهمية نفط الخليج لأوروبا الغربية في النصف الثاني من القرن الماضي. إذن تقف منطقة الخليج العربي على أعتاب اصطفاف جديد ليس للتحالفات الاقتصادية فحسب، وإنما السياسية والأمنية والاستراتيجية، ففي النهاية يعتبر ذلك سلة متكاملة من لعبة المصالح الدولية التي لا تحتمل العواطف أو العلاقات التاريخية التقليدية القابلة للتغيير السريع. وللخروج باستنتاجات صحيحة، فإن أحد الأمور المهمة تكمن في الإسراع في إقامة مركز خليجي لدراسات الطاقة يمول من قبل مجلس التعاون، فإنتاج النفط والغاز الصخريين ومصادر الطاقة البديلة، كالطاقة الشمسية وطاقة الرياح ومصبات الأنهار، إضافة إلى الطاقة النووية تتطور بصورة سريعة، وإذا كانت التكاليف قد حدت في العقود الماضية من سرعة تطورها، فإن التقدم التكنولوجي يزيل الكثير من العقبات السابقة ويؤدي إلى تخفيض تكاليف الإنتاج بصورة متواصلة. ومع أن النفط والغاز لا يزالا المحرك الأساسي للنمو في دول المنطقة، فإن الاهتمام بالتطورات المحيطة بهما والخروج باستنتاجات صحيحة لابد وألا يقتصر فقط على دراسات وبحوث المنظمات الدولية والخارجية، بل أصبح من الضرورة الموضوعية إيجاد مراكز محلية تضمن تقديم الرؤى للمحافظة على زخم النمو وإيجاد البدائل وتوثيق التحالفات في ظل أوضاع دولية تتغير بسرعة غير متوقعة. د.محمد العسومي