بعد ربع قرن من الكتابة عن زهاء حديد، وجدتُ نفسي أمام «مركز حيدر علييف» الذي شيّدته المهندسة العراقية في باكو عاصمة أذربيجان في نقطة الصفر. يدهشني ما أرى، وأجهد في أن أسميه وأفسره. واحترتُ مع نقاد العمارة العالمية الذين حضروا حفل الافتتاح كيف نسمي هذا الصرح المعماري فاستعنا بالسحر، نقول «إنه شيء ينبثق عندما تفرك المصباح السحري». وكما يحدث مع أعمال زهاء دائماً كل مقارنة كليلة. هل أقارن المبنى بمركبة فضائية ارتفاعها 80 متراً جثمت على التل بحجمها العملاق البالغ 57 ألف متر مربع، أم أسميها كتلة حمم تتدفق من ذروة جبل، أو أقول إنها كائن «عضوي» أتوقع أن يتحرك في أيّ لحظة، ينتفخ أو يجثم داخل سقفه الذي تنهال جدرانه هاطلة على الأرض؟ وكما في البَحَران الصوفي، رأيتُ داخل المبنى وأنا خارجه، ورأيتُ خارجه وأنا داخله. وتهتُ في جوف منارة عريضة تمتد سلالمها ثمانية طوابق، كأنها تتملى نفسها في مرآة نفسها بالطول والعرض. وسألتُ مهندس الموقع «صفوت بكر أوغلو»، وهو تركي قبرصي، فيما إذا كانت الستارة العملاقة التي تنهال من السقف تقع داخل البناية أو خارجها. فقد سرحت بي في المبنى مملكة المنحنيات السحرية التي تعتبر العلامة الفارقة لأعمال زهاء، انبعاجات إلى الخارج، وحاضنات من الداخل، وكأنني في رحم البناية أرى بطنها المتكورة من خارجها. وزهاء نفسها بدت في حفل الافتتاح قطعة معمارية نفيسة، تتكئ بقامتها الفارعة على ذراع كبيرة مصممها المعماري الألماني باتريك شوماخر، وتشقّ بالكاد طريقها عبر حشد من نساء ورجال أذربيجانيين يتحلقون حولها مزهوين بأنفسهم وبها. إنهم يجدون في هذا المبنى إيقونتهم التي سيعرفهم بها سكان الكرة الأرضية، وأشد ما يحرصون عليه أن لا يكون لهذه الأيقونة مثيل في العالم. نساء ورجال أعمال من الطبقة الوسطى، يمثلون عقل وفؤاد المجتمع الأذربيجاني، سألوني على مائدة عشاء حفل الافتتاح، بلغة روسية، لا تلُّف ولا تدور، فيما إذا كان «المركز» وحيد من نوعه في العالم، أم أن زهاء شيَّدَتْ، أو ستشيد مثله في مكان آخر. وسألتهم بلغة روسية لا تلّفُ ولا تدور: «وهل في العالم مكان آخر مثل باكو يستحق هذه الإيقونة؟». وليس مثل زهاء من ينشئ الرموز والإيقونات التي تتنافس للحصول عليها المدن والدول. يقرُّ بذلك الناقد والمعماري الأميركي جوزِف غيوفانيني، ويذكر أن «زهاء لا تكتب بيانات، بل تبنيها». ولعل «مركز حيدر علييف» الذي يضم صالات عرض، وقاعات مؤتمرات، ومسرحاً، هو بيان جمهورية أذربيجان الجديدة التي تعلن انفتاحها للعالم ثقافياً وسياسياً. وكجنائن بابل المعلقة، ينفتح «المركز» على مدرجات من متنزهات، وحدائق، وبرك مائية تتسور هضبة مساحتها 57 ألف متر. علاقة شكل المبنى والمكان ليست مطلقة ثابتة، بل دينامية متحركة. والمبنى القائم على جذع الطريق ما بين المطار والمدينة غير مألوف بالمقارنة مع الإطار المرجعي المعماري السوفييتي في باكو، بل يملك حضوراً طلسمياً يجعل «حتى سائقي التاكسي يلتفتون وهم مارين برؤوسهم نحوه كي يروه. ليس لأن المبنى مسيطر يفرض الانصياع على المشاهدين، بل لأنه يثير فضولهم». وهزّني الزهو بالعراق عندما رجّح الناقد الأميركي أن زهاء «تأثرت ربما بآراء أبيها السياسي التقدمي خلال الفترة الديمقراطية في العراق». لقد أُعطيَت زهاء مساحة تعادل عشرة ملاعب كرة قدم على ساحل بحر الخزر في وسط قارة آسيا، فشيّدت أحلام أبيها محمد حديد وجيله من العراقيين الديمقراطيين التقدميين في القرن الماضي. جلستُ على سلالم المسرح الذي يتسع لألف متفرج، وطرقتُها بأصابعي لأتأكد أنها مصنوعة فعلاً -كما تبدو- من خشب البلوط، وكيف تسنّى لزهاء أن تحول قاعة مسرح مهندَسٍ بالكومبيوتر إلى جوف كهف من شرائط شجر البلوط تمتد من السقوف إلى السلالم وحتى ستائر وكواليس المسرح المتحركة. هذه المهندسة المولعة بالمواد المصنوعة، لم يفارقها الحنين العراقي إلى استخدام مادة تقليدية كالخشب في معمار غير تقليدي بُنيت هياكله الخارجية من مادة البوليمر، القائمة على قاعدة خرسانية. وكأجدادها العرب الفاتحين، جاءت زهاء إلى أذربيجان عبر «طريق الحرير العظيم» الذي عبّدته صروحها المعمارية المنجزة، وعددها 41، من أهمها «جسر الشيخ زايد» في أبوظبي؛ أول جسر في التاريخ تصممه امرأة، ومتاحف عالمية عدّة قائمة، مثل «متحف فنون القرن الحادي والعشرين» في روما، و«متحف الفن الحديث» في سنسناتي بالولايات المتحدة، و«متحف النقل النهري ريفيرسايد» في غلاسكو ببريطانيا، و«دار أوبرا غوانزو» بالصين، والمجمع التسويقي الضخم «جالاكسي سوهو» في بكين، و«المسبح الأولمبي» في لندن. وعدد أعمالها قيد الإنشاء 42 بينها «محطة مترو الملك عبد الله في الحي المالي» في الرياض بالسعودية، و«مركز الفنون التمثيلية» في أبوظبي، و«مركز الشرق الأوسط» في «كلية سان أنطوني» بمدينة أوكسفورد، و«البرج التجاري» في دبي، و«البنك المركزي» في بغداد، و63 معرضاً، وسرادق، ومنشآت تصميم، و60 طاقم أثاث، وحلي، وأدوات زينة، وتحف، بينها شنطة «شانيل» النسائية، وسوار الكوع في دمشق بسوريا. وزهاء حديد طريق الحرير لأذربيجان التي تخالف جميع التصورات المسبقة عن بلد آسيوي شيوعي سابق. فالنظام الشيوعي انهار في أذربيجان بانهيار الاتحاد السوفييتي، لكن الناس لم يشنقوا زعيمهم الشيوعي السابق حيدر علييف، بل حرَّموا عليه التقاعد عندما انتخبوه رئيساً لجمهوريتهم الديمقراطية المستقلة، ولاحقوه بعد وفاته عام 2003 فانتخبوا ابنه إلهام علييف الرئيس الحالي للجمهورية، وأطلقوا اسم الأب على المركز الذي يرمز إلى طموحاتهم في الديمقراطية والانفتاح. وأغرب ما في عاصمة هذا البلد الذي يشكل فيه المسلمون الشيعة الأغلبية، أن لا تصادف في الشوارع أو الأماكن العامة امرأة محجبة، أو تغطي رأسها، ولا رجل دين معمماً، أو شحاذاً أو مشرداً. قد تجد عشرات منهم في عواصم أوروبية متقدمة تضاهيها باكو بنظافتها وأناقتها ومتنزهاتها. وعماد اقتصاد أذربيجان النفط، وإنتاجها منه أقل من ثلث الإنتاج العراقي. قال ذلك جاري على مائدة العشاء في«نادي المقام» في باكو، فاروق عبدالقادر، الذي كان رئيس «مؤسسة الطرق والجسور» في العراق في تسعينيات القرن الماضي، ووزير الاتصالات عام 2005، والمستشار المعماري حالياً لأسامة النجيفي، رئيس البرلمان العراقي. ولم أجد تفسيراً لكل هذه العجائب إلا عند الشخصية الفكاهية الشعبية «ملّا نصر الدين» الذي تدّعي انتسابه إليها معظم بلدان المنطقة، من العراق حتى باكو، حيث تحمل اسمه أشهر مجلة فكاهية أصدرتها مطلع القرن الماضي. سأل الناس «ملاّ نصر الدين»: لماذا يركب حماره بالمعكوس، فقال: «لست أنا الذي يركب الحمار بالمعكوس بل الحمار يسير بالمعكوس»!