هذا الأسبوع، كانت أثينا مرة أخرى محطة لزيارة مسؤولي «الترويكا» الشهيرة التي تمثل كبار الدائنين العالميين لتمويل دول الاتحاد الأوروبي ذات المديونيات المرتفعة، وينتمون إلى كل من صندوق النقد الدولي والمفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي. ويتلخص الهدف من الزيارة في التفاوض على مقترحات تقدمت بها اليونان لمعالجة قضية ديونها. وكان صندوق النقد الدولي قد عبّر عن بعض الشكوك حول جدوى المقترحات اليونانية، إلا أنه ما زال بصدد دراستها والتفاوض بشأنها. وتلقت الأطراف الثلاثة طلباً باعتماد الخطة الجديدة للحكومة اليونانية لوضع ميزانيتها لعام 2014 بحيث تتوافق مع قيمة مدفوعات القروض المقررة المقبلة التي ستقدمها «الترويكا» من أجل إنقاذ اقتصاد اليونان. وحتى يضمن اليونانيون دفع مستحقات قروض «الترويكا» الجديدة، من المتوقع أن تُطلب منهم تطبيق معايير مالية محلية أكثر صرامة. وبعد أن تعرضوا بالفعل للعديد من العقوبات القاسية بسبب التأخر في دفع مستحقات القروض المالية منذ عام 2010، وعقب معاناة دامت ست سنوات متتالية من ركود أدى إلى ارتفاع مستوى البطالة إلى 28 بالمئة وانخفاض الدخل الأسري بنحو 40 بالمئة، فلقد أصبحوا الآن بحاجة إلى فسحة يتنفسون منها. وعندما تمارس «الترويكا» نشاطها المعتاد، فإنها لا تشدو إلا بأغنية واحدة عنوانها «المعزوفة المتعقلة الحزينة» التي تدور قصتها حول توجيه الطلب إلى المواطنين اليونانيين بتقديم المزيد من التضحية والصرامة في الإنفاق المطلوبين من كافة مواطني الدول التابعة للاتحاد الأوروبي والواقعة جنوب أوروبا وعلى ضفاف حوض البحر الأبيض المتوسط والمطوّقة بالديون. وهذه المعزوفة من تلحين الألمان، وتم نظمها على طريقة الملحن الكبير فاجنر لأنها ثابتة لا تتغير مع مرور الزمن. ويتحتم على كل من يستمع إليها أن يعمل كل ما بوسعه من أجل إنتاج وتصدير السلع والبضائع وكسب الأموال واقتباس بعض المزايا الكبرى التي يحتكم إليها الألمان. وليست البنوك وحدها هي التي وجهت السؤال إلى الألمان حول اللغز العجيب الذي يمكنه أن يجعل الجميع قادراً على التصدير في وقت واحد (فحتى يكون هناك مصدرون، من الضروري أن يكون هناك مستوردون). وهذا التساؤل ينطبق بشكل خاص على الدول الفقيرة ذات الاقتصادات الضعيفة والتي تفتقر إلى الأموال الاستثمارية الخارجية. وقد شدد الاقتصادي الأميركي «بول كروجمان» (الحائز على جائزة نوبل وكاتب العمود في صحيفة «نيويورك تايمز»)، على هذه النقطة منذ أن بدأت أسواق المال في «وول ستريت» تضع العالم ضمن هذه الظاهرة المالية المحيرة. ولكن ما من أحد يستمع! وحتى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي للولايات المتحدة) عمد إلى انتقاد السياسة المالية لألمانيا بشدة عندما أشار إلى أنها دولة القسوة والظلم التي لا تهتم إلا بزيادة فوائض حسابها المالي الجاري. وكان لسعي الألمان الحثيث لزيادة معدل النمو المحلي والاعتماد على زيادة الصادرات أن يجهض الجهود الحثيثة الرامية لاستعادة التوازن الاقتصادي في بعض دول منطقة اليورو التي تتعرض لضغوط مالية كبيرة. وتمثلت النتيجة في ظهور حالة من الركود في تلك المنطقة طالت نتائجها الاقتصاد العالمي برمته. وأشارت مصادر البنك المركزي الأميركي إلى أن الحساب الجاري للخزينة الألمانية أضخم من نظيره في الصين. ولا شك أن برلين استاءت من هذه اللغة الناقدة الموجهة إليها من مراكز المال العالمية، إلا أن ميركل لم تجد الوقت الكافي للرد عليها لأنها كانت وقت إعلانها منشغلة بالرد على فضيحة التجسس الأميركي على هاتفها الشخصي. والسؤال الذي لم يلقَ جواباً حتى الآن هو: لماذا كل هذا التمسك بالدعوة للقسوة والصرامة المالية في مجتمع المسؤولين وأنصاف المسؤولين وحتى الأكاديميين الاقتصاديين. وهي الدعوة التي لا يمكنها أن تحقق النتائج المرغوبة. وحتى من الناحية النظرية لا يمكنها أن تنجح. وتؤكد الطروحات الأكاديمية أن الاعتقاد القائل بإمكان تحوّل «العجز المالي» بطريقة سحرية إلى «فائض مالي» ليس أكثر من خطأ حسابي شائع في أوساط الاقتصاديين. ولقد حرص كروجمان على لفت نظر كل من اعتاد سماعه إلى هذه الحقيقة، وإلى أن الواقع المالي في أميركا أثبت بطلان هذا الاعتقاد. وتساءل كل من «مارك ثاتشر» الباحث في كلية لندن للاقتصاد، و«فيفيان شميت» الباحثة الاقتصادية في جامعة بوسطن، عن السبب الذي يجعل من الأفكار المتعلقة بالصرامة المالية المبنية على العقلية المحدثة، بمثابة الأفكار الوحيدة المتداولة؟ ولماذا اختارت دول منطقة اليورو «منهج السوق» الذي يتوخى جانب القسوة والصرامة المالية؟ ولماذا استمرت هذه الأفكار منذ الثمانينيات وواصلت انتشارها واستئثارها بعقول المزيد من الاقتصاديين؟ رغم أن هذه الأفكار سيقيّض لها أن تندثر لأنها محكومة بالفشل (شأنها في ذلك شأن المذهب الشيوعي)، إلا أنها ارتبطت بالعديد من المصالح المالية، وللدرجة التي سيسهم معها سقوطها في جعل الأمور أكثر سوءاً قبل أن تعود الأوضاع إلى التحسن. ويمكن القول بكلمة واحدة إن هذه الأفكار تثبت صحة المثل الشائع الذي يقول: إن الحكمة الدارجة على ألسن الناس غالباً ما تكون خاطئة. ـ ـ ـ ـ ـ ـ ـ ويليام فاف محلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة «تريبيون ميديا سيرفس»