في عام 1973 ظهر أول جهاز هاتف محمول في العالم من إنتاج شركة «موتورولا»، وخلال سنوات تم تصنيعه للاستخدام التجاري من قبل شركات الاتصالات في العالم بعد تطوير أنظمة شبكات المحمول، وكان أو ظهور للهاتف المحمول في الإمارات عام 1983 عندما دشنت «اتصالات» خدمة المحمول في الدولة لتكون الإمارات أول دولة في الشرق الأوسط تطلق الخدمة لعامة المشتركين. واليوم تؤكد الدراسات والإحصائيات الريادة العالمية للإمارات في استخدام الهواتف المحمولة. آخرها دراسة Mobile Life التي تجريها سنوياً شركة TNS وهي من أكبر شركات أبحاث السوق المخصصة في العالم. وأكدت الدراسة لهذا العام التي صدرت مؤخراً أن 78 في المئة من سكان دولة الإمارات يمتلكون هاتفاً ذكياً بالمقارنة مع المتوسط العالمي الذي يبلغ 42 في المئة. وذكرت نتائج الدراسة أن الاتصال عبر الهاتف المتحرك في الإمارات جزء لا يتجزأ من نمط الحياة، ومن إجمالي الاستخدامات، فإن 46 في المئة من المستخدمين يواظبون على التراسل الفوري، و44 في المئة يستخدمونها لتشغيل الألعاب، و34 في المئة للوصول إلى مواقع التواصل الاجتماعي. لم يعد استخدام المحمول من أجل الاتصال الهاتفي فقط، بل إنها تحولت إلى وسيلة متعددة الوظائف خاصة مع الأجهزة الذكية واسعة الانتشار، وصار اقتناء الهاتف الذكي حاجة ضرورية لا تقل عند كثيرين عن أهمية الغذاء أو المسكن أو وسيلة النقل. بل صرنا نسمع أخباراً من المجتمعات الفقيرة عن إقدام أبوين على بيع أحد أطفالهم لشراء هاتف ذكي، وقيام أحدهم بالتبرع بكليته لشراء جهاز لوحي! وفي الوقت الذي يتفاءل فيه متخصصون في الاتصال والتكنولوجيا والاقتصاد بأن انتشار الهواتف الذكية يسهم في التنمية البشرية وهي ضرورة لتطور المجتمعات الحديثة. كما أنهم يشيدون بفوائدها الكبيرة في تعزيز التواصل البشري وإتاحة العلوم والمعارف والمعلومات ونشر حقوق الإنسان ومبادئ الديمقراطية، إلا أن هناك في الجانب الآخر صورة مظلمة يراها علماء الاجتماع والسلوك من أن الأجهزة الذكية تُحدث تغيراً جذرياً في السلوك المجتمعي، محذرين من إدمان الأفراد على هذه الأجهزة ومن الاستخدام المفرط الذي يؤثر على الحياة الاجتماعية للأشخاص، خاصة في نطاق الأسرة عندما يقل أو حتى ينعدم التواصل الحقيقي بين الأفراد، وتتطور الأمور إلى وقوع مشاكل بين الزوجين بسبب إدمان أحدهما على الهاتف والتطبيقات الذي فيه من برامج المراسلة الفورية وشبكات التواصل الاجتماعي. وفي السنوات الأخيرة ظهر مصطلح الـ«نوموفوبيا» Nomophobia ويعني خوف ورهاب الشخص من أن يكون خارج الاتصال بالهاتف المحمول. وأُجريت دراسة في بريطانيا تختبر ردود فعل الأشخاص في حال أضاعوا هاتفهم الشخصي لبعض الوقت أو فقدوا الإرسال أو انتهى شحن البطارية، حيث أظهرت النتائج أن 58 في المئة يصيبهم القلق والهم. إن إساءة استخدام الهواتف الذكية وآثارها السلبية على المجتمع لا تكاد تخفى على أحد.. فساحات المحاكم تعج بقضايا وخلافات أسرية عديدة بسبب إساءة استخدام أحد الزوجين للهواتف الذكية، كما زادت قضايا التشهير والاحتيال والجرائم الأخلاقية وانتهاك خصوصيات الأفراد وغيرها من التحديات الأمنية بسبب إساءة استغلال هذه الأجهزة. لاشك أن لكل تكنولوجيا ضريبة، ولكن يبدو أن ضريبة الهواتف الذكية باهظة جداً!